الحداد على نوتردامات الشرق الأوسط

السبت 15 حزيران 2019 307

الحداد على نوتردامات الشرق الأوسط
ابراهيم المراشي
ترجمة: شيماء ميران
كان حريق نوتردام في باريس بمثابة تذكير مؤلم عن الكوارث التي حلّت بمبانٍ دينية مشابهة تم تدميرها في كل من العراق وسوريا خلال السنوات الأخيرة، ويمثل اجتياح النيران للكاتدرائية التي يعود تاريخها الى قرون عدة مضت مثالا مؤثرا على الروابط بين كل من الهندسة المعمارية والسكان المحليين والهوية الوطنية، والتراث العالمي.
وعلى سبيل المثال، تفجير 
المرقد العسكري في سامراء عام 2006، وتدمير قبر النبي يونس والجامع النوري الكبير في الموصل خلال العامين 2014 و2017، والجامع الاموي في حلب 
الذي هُدمت مئذنته سنة 2013، وإزالة العديد من المزارات الإيزيدية بعد العام 2014.
ان الكوارث سواء كان حدوثها عرضيا او متعمدا سببت الدمار لهذه المعالم وألحقت بها الضرر، وهي بمثابة تذكير بأنها ليست مجرد مبانٍ ثابتة من حجر ومواد سمنتية لكنها فضاءات تملؤها الحياة، كما انها جزء لا يتجزأ من النسيج الديني الحضّري والريفي لهذه المجتمعات التي ترتبط بها عاطفيا، وتمثل جزءا من التراث العالمي ايضا.
حداد على المباني
لقد استحضر الحريق الذي اجتاح كاتدرائية نوتردام الفرنسية مقارنات بنيران جحيم اخرى متعمدة او عرضية كانت قد ضربت المباني العلمانية، بدءا من مركز التجارة العالمي في اميركا وبرج غرينفيل في لندن وصولا الى المتحف الوطني البرازيلي.
ورغم ان حريق الكاتدرائية كان ايضا بمثابة تذكير بهشاشة الهندسة المعمارية المحترمة، إلا ان كارثة باريس على سبيل المثال ساعدت على جمع التبرعات لثلاث كنائس تاريخية سوداء (او الكنائس الافريقية الأمريكية) في لويزيانا التي دُمرت بحرائق مفتعلة.
وضمن هذا السياق، ينظر للدمار وجهود إعادة بناء المباني الدينية المتضررة لدى كل من العراق وسوريا بمثابة تذكير او ربما مصدر الهام لاسترجاعها من جديد، لقد تبين ان الباريسيين ليسوا وحدهم في خسارتهم وان المجتمعين الموصلي والحلبي وغيرهما يشاركونهم الألم ويُظهرون إرادة جماعية لإعادة البناء.
 
العمارة في العراق وسوريا
يعود بناء ضريح سامراء الذي يضم مرقديّ الامامين علي الهادي والحسن العسكري الى العام 944 ميلادي، وقد هدّم اغلب هيكله نتيجة للانفجار الذي حدث سنة 2006، ثم هُدمت مئذنته بالانفجار التالي الذي حدث عام 2007. وأشعل هذا الهجوم حربا طائفية في العراق امتدت من عام 2006 الى 2008. وساهمت منظمة اليونسكو بجهود إعادة بنائه، وضمَّ طاقم البناء الطائفتين الشيعية والسنية الموجودة في سامراء، وتم تجديد الضريح ليكون رمزا للمصالحة بين الطائفتين. واليوم يقصده آلاف الزائرين، ما ادى الى استعادة المدينة نشاطها الاقتصادي.
اما مدينة الموصل فقد قاست دمارا واسعا اثناء احتلالها من قبل عصابات داعش الإرهابية، وخسرت موقعين دينيين يعتبران رمزا للمدينة. ففي عام 2014 دمر داعش قبر النبي يونس الذي يحظى بإحترام كل من المسلمين والمسيحيين واليهود، وكان تدميره هجوما على الديانات الابراهيمية الثلاث.
ويعتبر الجامع الكبير في الموصل المعروف باسم الجامع النوري رمزا للمدينة لتميزه بمئذنته المائلة التي تسمى باللهجة الدارجة الحدباء، وكان داعش قد دمر الجامع ومئذنته الايقونية عند انسحابه من المدينة صيف العام 2017. وهذا ما حدث ايضا مع الجامع الاموي في حلب ومئذنته المائلة، وقد تم تدمير اغلب مبنى الجامع عام 2013 خلال الحرب الاهلية السورية.
وكان تدمير داعش لمدينة تدمر هو لحظة بارزة اخرى في حرب الثماني سنوات التي دمرت سوريا، فقامت عناصره بتدمير معبد بيل الذي يعود بناؤه للعام 32 ميلادي، والذي يعتبر من أهم معالم تدمر، ولم ينج قوس النصر ومعبد "بلشامين" ايضا من معاولهم اثناء  تخريبهم للتماثيل وتدمير جزء من "المسرح الروماني".
كما تتميز الموصل ايضا بمعابد صغيرة تعلوها قباب مخروطية، وهي المباني الدينية للديانة الإيزيدية والتي دمرها داعش ايضا. لم تجذب هذه المعابد الصغيرة الاهتمام الاعلامي كثيرا، فإعادة الإعمار بالنسبة للإيزيديين يكاد يكون إعادة بناء العمارة الدينية المدمرة فقط، على عكس المباني الضخمة في مدينتي الموصل وحلب التي أُعيد بناؤها. 
هناك امر واحد مفروغ منه هو ان المسيحية والإسلام سيستمران بالبقاء حتى وان دمرت مبانيهم الدينية الإيقونية. ان اغلب العراقيين من الطائفة الإيزيدية فروا الى المنفى، فالمعتقد الإيزيدي مرتبط بشكل كامل مع الفضاء المادي وهو ما دمره داعش، لذا فهم مرتبطون بمجموعة من الاماكن الدينية وسط المناطق التي تعتبر موطنهم الديني في شمال العراق. وبإنقطاع هذا الرابط بين المواقع الإيزيدية الدينية والسكان الذين تشتتوا، فان تقاليدهم الدينية قد اقتربت من الانقراض.
 
إحياء التاريخ
ان المواقع الدينية بالنسبة للمتعبدين توفر مجالا للتقديس والزيارات الدينية. ومن الناحية العلمانية فان هذه المباني تُشكل النسيج الاجتماعي للمراكز الحضرية، سواء كانت في الموصل او باريس، فهي بمثابة رموز وطنية ايضا.
وتعطي هذه المباني التي تعود للزمن الماضي مواقع راسخة لإنشاء المرويات الوطنية في الوقت الحاضر، وان تدمير هذه المواقع التراثية يعتبر تدميرا لرمز المستقبل ايضا. والكيفية التي اتحدت فيها مدينة او شعب او العالم لاسترداد هذه المباني تمثل انعكاسا لتوحد المجتمعات من اجل معالجة صدمتهم المشتركة. وسواء كان هناك فرق دولية تعمل ضمن منظمة اليونسكو تقوم بإعادة بناء المواقع في العراق او تدمر، أو تقوم بجمع التبرعات في جميع انحاء العالم لترميم كاتدرائية نوتردام، فهذا سيؤدي الى الاطلاع على واقع الكنائس السوداء المدمرة في لويزيانا، ويقودنا التدمير غالبا الى التعاون تحت اسم حماية النسيج الثقافي الذي تمثله هذه المباني. فهذا الدمار قد يوحد مجتمعات مختلفة ومتنوعة في قضية مشتركة وهي إنقاذ التراث العالمي.
وما يرمز له حريق كاتدرائية نوتردام هو ان جميع المباني الدينية تمثل جزءا من التراث الانساني العالمي وينبغي الحزن عليها وإعادة بنائها بغض النظر عن الديانة والمعتقد الذي تعبر عنه.
 
عن TRT World