اسبانيا توثق حطام مئات السفن الغارقة

السبت 15 حزيران 2019 327

اسبانيا توثق حطام مئات السفن الغارقة
سام جونز   
ترجمة: مي اسماعيل 
ذاقت المياه الغادرة المحيطة بالأميركيتين أول طعم للخشب الاسباني حينما غرقت "سانتا ماريا"؛ سفينة القيادة في قافلة " كرستوفر كولومبوس" يوم عيد الميلاد لسنة 1492 قبالة ما تعرف اليوم بهاييتي. وتوسعت امبراطورية اسبانيا البحرية خلال القرون الأربعة اللاحقة وبلغت ذروتها ثم انهارت؛ وابتلعت الأمواج التي قامت عليها تلك الامبراطورية مئات السفن وآلاف البشر، وغرق معهم الذهب والفضة والزمرد والبهار وصبغات الأغذية؛ فحملها التيار... 
 
بين الارشيف والأعماق
اليوم أتم ثلاثة باحثين؛ يعملون ضمن وزارة الثقافة الاسبانية؛ المرحلة الابتدائية لمشروع تصنيف وتوثيق حطام السفن التي صنعت الامبراطورية الاسبانية وأدامتها. وقد وثّق الفريق (الذي يقوده عالم الآثار "كارلوس ليون") نحو 681 حطاماً حول سواحل كوبا وباناما وجمهورية الدومينيكان وهاييتي وبرمودا والبهاما وساحل الولايات المتحدة المطل على الاطلسي. امتدت قائمة توثيقهم من حادثة غرق السفينة "سانتا ماريا" حتى تموز سنة 1898؛ حينما ضرب زورق أميركي المدمرة الاسبانية "بلوتون– Plutón" قبالة كوبا؛ كاشارة لانتهاء الحرب الاسبانية- الأميركية وغروب عصر الإمبراطورية الإسبانية. 
بعدما قضت كل من الباحثتين "بياتريز دومينجو" و"جينوفيفا إنريكيو خمس سنوات في مراجعة سجلات الارشيف باشبيلية ومدريد وليون؛ قامتا بوضع "قائمة لحماية المستقبل" وإلقاء الضوء على الماضي. يقول ليون: "كان لدينا هدفان أساسيان: الأول- التوصل الى آلية للتعرف على مواقع تحطم السفن وحمايتها؛ خاصة تلك الأماكن التي تشهد تركيزا عاليا لتجمع الحطام. والثاني- استعادة جزء من التاريخ كان منسيا الى حدٍ ما. إذ جرى تحري أمر أكثر السفن شهرة؛ لكن هناك عددا كبيرا من السفن التي لا نعرف عنها شيئا أبدا.. لا كيف غرقت ولا إلى أي عمق نزلت".. ومضى قائلا أن المعلومات التي تُجمع الآن ستساعد الفريق على معرفة أساليب الملاحة في ذلك الوقت.
ومن الطبيعي أن تُسعِد أبحاث الفريق المؤرخين وراسمي الخرائط؛ لكن ليس من المرجح أن تُبهج ذوي الاحلام الرومانسية بالكنوز والببغاوات والنفائس. ووجد الفريق أن 91 بالمئة من السفن كانت قد غرقت بسبب الظروف الجوية الصعبة (غالبا العواصف المدارية والأعاصير)، واصطدمت نحو أكثر من اربعة بالمئة منها بالشعاب المرجانية، أو أنها عانت مشاكل ملاحية. بينما فقد نحو واحد ونصف الواحد بالمئة منها بعد مواجهات بحرية مع البريطانيين والهولنديين أو السفن الأميركية؛ ولم تغرق سوى نسبة واحد بالمئة تقريبا من السفن نتيجة لهجمات القراصنة. 
 
السفن تشبه الطائرات
عثر الباحثون الآثاريون حتى الآن على بقايا أقل من ربع عدد السفن المطلوب البحث عن بقاياها والبالغة 681 سفينة التي ضمتها قائمة التوثيق. وشعر أعضاء الفريق بالدهشة لعثورهم على 12 منطقة يتركز فيها حطام السفن بكثرة على سوحال باناما وجمهورية الدومينيكان ومجموعة جزر "فلوريدا كيز" (قبالة الطرف الجنوبي الشرقي لساحل الولايات المتحدة). وبدلا من العثور على حطامين غارقين أو ثلاثة في الخليج الواحد (كالمتوقع)؛ اكتشف الباحثون نحو  18 قطعة. يقول ليون: "تعتبر بعض المواقع (مثل خليج داماس على سواحل باناما) مناطق مفتوحة؛ كانت تمر بها قوافل تجارية ضخمة سنويا، منذ القرن السادس عشر حتى أواسط القرن السابع عشر. وهذا بدوره اجتذب كمية هائلة من حركة النقل البحري. وهي ليست منطقة محمية جيدا؛ ولذا تغرق السفن حين هبوب العواصف". ويمكن وصف الأمر بعبارات أكثر عصرية (كما استطرد ليون): "كان المسار أشبه بطريق سريع؛ ولم يكن الماء عميقا جدا هناك. والسفن تشبه الطائرات الى حدٍ ما؛ فهي عادة تتحطم عند الاقلاع أو الرسو". 
 
حظ صيادي الكنوز
يولي صائدو الكنوز جل اهتمامهم بالسفن التي صادفت حظا سيئا في طريق عودتها من الأميركيتين؛ لكن ليون وفريقه يقولون أن السفن المنحوسة المتجهة الى هناك تحظى بالاهتمام أيضا: "تشي الحمولة التي تنقلها تلك السفن بكمية ضخمة من التجارة.. لكن الامر لا يقتصر على المنتجات والتجارة؛ فتلك السفن حملت الأفكار أيضا.. ولقد فوجئنا باكتشاف أن الكثير منها كانت محملة بأشياء دينية: آثار وتزيينات وحتى أحجار لبناء الكنائس". لكن اكتشافات الفريق تعدت السيوف والخناجر والصلبان، وساهمت بايضاح الكيفية التي تمكنت اسبانيا بواسطتها من إثراء نفسها لعدة قرون. فإضافة الى أطنان الزئبق التي ارسلتها اسبانيا الى العالم الجديد للمساهمة بإستخلاص الذهب والفضة من المناجم (والتي غذت الامبراطورية).. يقول ليون: "وجدنا قوارب كانت تنقل ملابس للعبيد"؛ ونقلت غيرها اسلحة استخدمت لإخماد الثورات المحلية. 
يخطط الباحثون لنقل قوائم التوثيق الورقية الى قاعدة بيانات يمكن للحكومة الاسبانية أن تشاركها مع دول أخرى تحطمت في مياهها السفن المبحرة الى المستعمرات. يأمل ليون أن تعطي المعلومات التي جمعها وفريقه لتلك الدول ما تحتاجه لحماية تراثها البحري لدى مواجهة صيادي الكنوز المجردين من المبادئ؛ والذين لا يتورعون غالبا عن استخدام تصاريح الانقاذ القانونية كغطاء لاستكشافات أكثر ربحية.. يمضي ليون قائلا: "علينا أن نتوخى الحذر الشديد بخصوص تفاصيل ومواقع بعض تلك السفن؛ لكن الوزارة تعمل مع بعض الدول التي صادقت على اتفاقية اليونسكو لعام 2001 لحماية التراث الثقافي المغمور بالماء. وهذه يجب أن تكون دولا لن تستخدم تلك المعلومات لعقد الصفقات مع مؤسسات البحث عن الكنوز". لكنه يضيف أن الساعين للكنوز الكبيرة لن يهتموا بأغلب السفن التي ضمتها قوائم التوثيق: "يمكن القول حقيقة أن المؤسسات الكبيرة الباحثة عن الكنوز أمضت سنوات تقوم بما قمنا به؛ لكنها تبحث فقط عن السفن التي كانت تنقل شحنات كبيرة من النفائس. وللأمانة.. لا أعتقد أن أبحاثنا ستساعدهم كثيرا في هذا".  يستعد الباحثون الثلاثة الان لعمليات غوص عميق بين طيات الارشيف ورفوف المكتبات؛ فالامبراطورية الاسبانية كانت بالتأكيد كبيرة جدا. وهذا ما يراه ليون: "مازال  لدينا العديد من المناطق لنبحث فيها؛ فخلال العام المقبل سأقوم بزيارة المكسيك وكولومبيا وبورتوريكو وكوستاريكا لاستكمال العمل وانجاز خاتمة للبحث في منطقة الكاريبي. وبعد ذلك سنتوجه الى المحيط الهادئ". 
 
صحيفة الغارديان البريطانية (من مدريد)