أقل من ثورة وأكثر من تسويق

السبت 15 حزيران 2019 109

أقل من ثورة وأكثر من تسويق
 
 
عبدالزهرة زكي
من اضطرابات الحياة المعاصرة، وهي اضطرابات غير مفهومة ببعض مجالاتها بالنسبة لي في الأقل، أن نصادف وجهين متعارضين ومختلفين تماماً لحالة واحدة في وقت واحد. ففيما نصادف حالياً انفتاحاً غير مسبوق بالتواصل والعيش والتقاليد في الصلة ما بين البلدان، وحتى في داخل البلد الواحد بخلاف ما كان عليه الحال في قرون سابقة، فإننا نصادف راهناً في داخل الثقافة، في الأدب بشكل أخص، تنامياً مضطرداً باتجاه الانغلاق على ما هو محلي وبتشكل مجاميع محلية، في مدينة محددة أو بلد معين.
كانت التقاليد والصلات في تلك القرون الماضية تنكفئ بحدود ضيقة داخل البلدان وداخل مدن محددة في كل بلد، وهو أمر مفهوم باقترانه بضعف الاتصال والتواصل آنذاك بخلاف الحال راهناً؛ تقدم هائل في تكنولوجيا التواصل مشفوع بتقدم غير متخيل في الاتصالات. هذا ما يجعل تكرار فكرة (ألبانيا) قبل عقود غير ممكنة الآن. لكن في الأدب والثقافة صار متوقعاً سماع ما يخالف ذلك عن خصائص ومزايا أدبية وشعرية مناطقية تصل بضيقها إلى حدود المدينة. وبالتأكيد فإن الحديث عن سمات مدينة وطبيعتها وتقاليدها ومدى حضورها في أدب ساكنيها هو شأن آخر غير شأن الكلام عن هوية شعرية أو أدبية خاصة.
في العراق تحدثنا مثلا عن  جماعة كركوك، عن خصائص وتقاليد أدبية مائزة، وليس عن حيوية حضور المدينة في أدب أبنائها، ونتحدث كذلك عن مدينة مثل البصرة، ناهيك عن الكلام العام عن فوارق يقال بها، أدبية وغير أدبية، بين أدباء المركز (بغداد) والمحافظات، إلى جنب فوارق أخرى مستحدثة بين أدباء الداخل (العراقي) والخارج (المهاجر). 
عربياً؛ قبل سنوات كان حديث يجري عن تسمية (شعراء الجنوب) في لبنان في المقابل من ماذا(؟)، وقبلها وبعدها كان المصريون يتحدثون عن شعراء المحافظات أو الأقاليم مقابل شعراء القاهرة. وهذه كلها (تمايزات)، سواء أكانت حقيقية أم مصطنعة، فإنها تقفز على حقيقة أن الأدب العربي بشكل عام هو شعر بشكل خاص والأدب عامةً محكوم باللغة، وبالتالي هو جسم واحد بتفاصيل كثيرة، وأن مشكلات تعاملات الشعر، نشراً وتسويقاً وترويجاً أو تقييداً، هي غير مشكلات الشعر الداخلية.
أحسب أن هذا التقسيم الجغرافي للأدب والشعر ليس اهتماماً عراقياً أو عربياً حصراً. في الولايات المتحدة يمكن مصادفة ما يعبّر عن مثل هذا التقسيم وعن المعاناة جراءه. إنها، على سبيل المثال، معاناة عبّر عنها شاعر أمريكي مثل تيد كويسر وهو مستشار الشعر في مكتبة الكونغرس الأمريكي بين عامي 2004 و 2006 وليس شاعراً مركوناً في ولاية (نائية).
ففي حوار معه عام 2006 بعد نيله جائزة الشعر الأمريكي بدا كويسر متذمراً من تركيز الضوء على شعراء نيويورك على حساب شعراء ولايته نبراسكا ذات الطابع الريفي وسواها من شعراء الولايات الأخرى، حتى أن كويسر بادر بعد فوزه بجائزة الشعر بمواصلة كتابة عمود بعنوان (الحياة الأمريكية في الشعر) لنشره مجاناً في 134 صحيفة في عموم الولايات المتحدة الأمريكية. في هذا العمود كان كويسر يختار من الشعر الأمريكي قصائد قصيرة وبسيطة ومنفتحة بما يحفز قرّاءً لم يعتادوا قراءة الشعر باهتمام من قبل على قراءته، وكان بهذا يريد تسليط الضوء على شعراء لم يجر الانتباه لهم بموجب منظوره. 
وفي الحوار مع تيد كويسر جرت الاشارة إلى أن طبيعة القصائد، الريفية بمعظمها والمعتنية بالحياة، والتي كان يختارها ويقدمها في عموده لها صلة” بمحاولة لإظهار النطاق الجغرافي للشعراء في الولايات المتحدة”. يعترف كويسر بتعمد هذا الاختيار وذلك كتأكيد منه على أن” من الجيد أن نرى أن الشعر يأتي من كل مكان وليس من هناك فقط، من المراكز الساخنة (شعرياً)؛ نيويورك، ولوس أنجلوس، وشيكاغو”. كان يؤكد أنه تعمّد في تقديمه للنصوص المختارة ذكر المدن والولايات” التي كان ينتسب شعراء القصائد المختارة.
لكن هذا نمط من مشكلات ذات صلة ما بين مراكز وحواشيها، وهي مما يحدث في الأدب وسواه. وقد تتضخم في بلدان متخلفة تنحسر فيها المدنية وإمكانات التواصل بالعواصم وبمدن رئيسة، لكن الحياة في الغرب الأوربي والأمريكي ما عادت بهذا الفصل الحاد بين مراكز وهوامش، في بعض هذه البلدان من الممكن أن تجد فوارق نوعية قد تكون لصالح الأرياف، من حيث طبيعة الحياة ومدى ملاءمتها للمزاج الإنساني. إنها مشكلات لا تفصح عن اختلافات نوعية في الداخل من العمل الأدبي والشعري، لا تمايز ما بين نصوص الأدب بما يسمح لأن تكون المشكلة مشكلة جدل واختلاف ما بين نصوص واتجاهات أدب وفكر أدبي. 
إنها مشكلات المنتجين الأدبيين مع إمكانات التوصيل والتواصل، ومع مدى الحيوية الثقافية، توفر المؤسسات ودور النشر والعرض، في المدن التي يقيمون فيها، وغالباً هي مشكلات مع أنفسهم.
يفكر تيد كويسر بما يسميه (الجاذبية النوعية) لمدينة مثل نيويورك، وإلى هذه الجاذبية يعزو ما يجعل منها مكاناً لمئات الشعراء:” إذا نظرت إلى دليل الشعراء والكتاب الأمريكيين، فستعلم أن هناك مئات الشعراء في مدينة نيويورك. لذلك، فقط عن طريق الجاذبية النوعية ، تبدو (نيويورك) وكأنها مكان أكثر أهمية”. لكنه وبهدف الدفاع عن قدرة الأماكن الأخرى على انتاج الشعراء يستشهد بشاعر أمريكي من ولاية ايداهو هو روبرت ريجلي:” روبرت ريجلي شاعر يعيش في أيداهو الريفية، وهو يكتب قصائد 
جميلة”.
من الممكن أن يعزا هذا التبرم من نيويورك وسواها بفعل كونها مراكز للتغيير الشعري داخل الثقافة الأمريكية. يجب أن نفهم هنا أن الشاعر تيد كويسر يمكن تصنيفه كواحد من شعراء اتجاه في الشعر الأمريكي، الشكليون الجدد “New Formalists” ، وهو اتجاه يعترض على كثير مما قدّمه الشعر الأمريكي الحديث، الحر وقصيدة النثر، ويؤكد أهمية التقيد بالأصول والعناصر الشكلية للشعر، الوزن والقافية مثلاً والسرد. إنه اتجاه قائم، في أغلب عمله، على الاحتجاجات النظرية فيما لم يقدم الداعون إليه تجارب نصية تؤهله لهذه المماحكة مع شعراء التغيير، وبعضهم باتوا من بين شعراء عصرنا الراهن. 
لقد كان هذا الفارق النوعي في الانتاج الأدبي، ما بين الطرفين، من أبرز ما جوبهوا به، يقول الشاعر والكاتب الأمريكي ن. س. توماس منتقداً الشكليين الجدد:” فيما تحتاج الحركات إلى قدر معين من القنابل لإثارة الاهتمام، فإنها يجب دعمها بنجاح فني معيّن. يبدو أن الحركة أقل بعداً من الثورة الشعرية وأقرب أكثر إلى حملة التسويق”.