تعزيز الذكريّات المفرحة والتمكّن من قمع المؤلمة

الاثنين 17 حزيران 2019 215

تعزيز الذكريّات المفرحة والتمكّن من قمع المؤلمة
ترجمة: نادية المختار
أظهرت دراسة جديدة قام بها فريق من العلماء والباحثين في جامعة كولومبيا، أن تحفيز أجزاء مختلفة من الدماغ يمكن أن يخلق صعودا أو هبوطا في الجاذبية العاطفية لذاكرة معينة. فالذكريات تتسم بالمرونة إذا كنت تعرف أي مناطق من قرن آمون الدماغ تحفزه- وهو اكتشاف يمكن أن يتيح يوما ما علاجا مخصصا للأشخاص الذين يعانون من العديد من الاضطرابات النفسية وخاصة اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق التي تستند الى فكرة أنّه بعد وجود تجربة مؤلمة حقا، لا يستطيع الشخص المضي قدما لأنّه يتذكّر مخاوفه مرارا وتكرارا.
فماذا لو استطاع العلماء التحكّم في العقل حتى تفقد الذاكرة المؤلمة قوتها العاطفية على نفسيتنا؟ 
يعتقد ستيف راميريز، عالم الأعصاب بجامعة بوسطن، أن وجود بنية صغيرة في المخ يمكن أن تحمل مفاتيح التقنيات العلاجية المستقبلية لعلاج الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، مما يسمح للأطباء يوما ما بتعزيز الذكريات الايجابية أو قمع الذكريات السلبية.  
ففي داخل أدمغتنا، يخزن هيكل يُسمّى الحصين المعلومات الحسية والعاطفية التي تشكّل الذكريات سواء كانت ايجابية أو سلبية. ولا توجد ذاكرتان متشابهتان تماما، وبالمثل، يتم تخزين كل ذاكرة داخل مجموعة فريدة من خلايا الدماغ التي تحتوي على جميع المعلومات البيئية والعاطفية المرتبطة بتلك الذاكرة. ويشمل الحصين نفسه على الرغم من صغر حجمه، العديد من المناطق الفرعية المختلفة التي تعمل جميعها جنبا الى جنب لاستعادة عناصر ذاكرة معينة.
 
مظاهر ومؤشرات 
أظهر البروفسور راميرز، المؤلف الرئيس للبحث، وأستاذ العلوم النفسية وعلوم الدماغ، كيف يمكن أن تصبح الذكريات المؤلمة- مثل تلك الموجودة في جذر الاضطرابات منها اضطراب ما بعد الصدمة. من خلال تنشيط خلايا الذاكرة بشكل مصطنع في الجزء السفلي من الحصين في الدماغ، يمكن أن تصبح الذكريات السلبية أكثر اضعافا. في المقابل، يمكن لتحفيز خلايا الذاكرة في الجزء العلوي من الحصين تجريد الذكريات السيئة من جاذبيتها العاطفية، مما يجعلها أقل صدمة لنتذكرها. 
وباستخدام تقنية حديثة قام راميرز، بتحديد الخلايا الموجودة في الحصين التي تم تنشيطها عندما صنعت الفئران الذكورية ذكريات جديدة عن تجارب ايجابية ومحايدة وسلبية. وبعد ذلك، حدد الخلايا التي كانت جزءا من عملية صنع الذاكرة التي قاموا بها بمساعدة بروتين أخضر متوهّج مصمم لتضيء عند تنشيط الخلايا، وتمكنوا من اطلاق تلك الذكريات المحددة بشكل مصطنع مرة أخرى لاحقا باستخدام ضوء الليزر لتفعيل خلايا الذاكرة. 
وتكشف الدراسة عن مدى اختلاف أدوار الأجزاء العلوية والسفلية من الحصين. يبدو أن تنشيط الجزء العلوي من الحصين يعمل كعلاج فعال للتعرض لضوء الليزر، مما يؤدي الى تدمير الصدمة الناجمة عن اعادة ذكريات سيئة. لكن تنشيط الجزء السفلي من الحصين يمكن أن ينقل الخوف الدائم والتغيرات السلوكية المرتبطة بالقلق، مما يشير الى أن هذا الجزء من الدماغ يمكن أن يكون مفرط النشاط عندما تصبح الذكريات مشحونة عاطفيا لدرجة أنّها تضعف.
 
علاج للاضطرابات 
هذا التمييز، كما يقول راميريز، أمر بالغ الأهمية كونه يشير الى أن كبح النشاط الزائد في الجزء السفلي من الحصين يمكن أن يستخدم لعلاج اضطرابات ما بعد الصدمة واضطرابات القلق. كما يمكن أن يكون المفتاح لتعزيز المهارات المعرفية”.  
ويقول الدكتور جانغ تشن، استاذ علم الاعصاب في الجامعة: “إن مجال التلاعب بالذاكرة لا يزال صغيرا، ويبدو كأنه خيال علمي، لكن هذه الدراسة عبارة عن معاينة سريعة لما قد يأتي فيما يتعلق بقدراتنا على تعزيز أو قمع الذكريات”. 
وعلى الرغم من أن الدراسة بدأت بينما كان تشن وراميرز، يجريان أبحاثا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلا أن بياناتها كانت العمود الفقري لأول تقرير بحثي يصدر عن مجموعة المختبرات الجديدة التي أسسها راميريز في الجامعة البريطانية في العام 2017. 
يقول تشن: “نحن بعيدون عن أن نكون قادرين على القيام بذلك في البشر، لكن الدليل المفهوم موجود. وهذه هي الخطوة الأولى في تفريق ما تفعله هذه المناطق الدماغية بهذه الذكريات العاطفية حقا. فالخطوة الأولى نحو ترجمة هذا الى الناس، هي بمثابة تقديم الكأس المقدّسة لهم”.
وتقول البروفسورة شينا جوسلين، استاذة علم الاعصاب في جامعة تورونتو: “هذه الدراسة فريدة من نوعها حقا في محاولة معرفة كيف يخزن الدماغ الذكريات بهدف مساعدة الناس. إنّهم لا يلعبون، انما يقومون بذلك لغرض معين”. 
ويخلص راميرز: “على الرغم من اختلاف أدمغة الفئران والعقول البشريّة، إلّا أنّ تعلّم كيفية لعب هذه المبادئ الأساسية في الفئران يساعد على تحديد مخطط لكيفية عمل الذاكرة في الانسان. كما ان القدرة على تنشيط ذكريات محددة حسب الطلب، وكذلك المناطق المستهدفة من الدماغ المشاركة في الذاكرة، تتيح للباحثين رؤية الآثار الجانبية التي تأتي مع مناطق مختلفة من الدماغ ويجري تحفيزها لنستخدم ما نتعلّمه في الفئران لعمل تنبؤات حول كيفية عمل الذاكرة في البشر. فاذا استطعنا انشاء شارع باتجاهين لمقارنة كيفية عمل الذاكرة في الفئران والبشر، فيمكننا بعد ذلك طرح أسئلة محددة في الفئران حول كيف، ولماذا يمكن أن يكون للذكريات آثار ايجابية أو سلبية على الصحة
 النفسية”.
 
عن ساينس ديلي