الخوف من المعارضة

الجمعة 21 حزيران 2019 236

الخوف من المعارضة
حمزة مصطفى
على مدى أكثر من ثلاثة عقود كانت القوى المناوئة للنظام السابق والتي أطلق عليها “المعارضة العراقية” تحلم بالوصول الى السلطة. جربت كل  الطرق والوسائل وقدمت تضحيات في سبيل تحقيق هذا الهدف. تحقق هذا الهدف أخيرا لكن على يد الأميركان حين جاؤوا بقواتهم بمئات الآلاف وهو ما اضطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يقر مؤخرا بأن حرب العراق أنهكت
 الجيش الأميركي.
إذن وصلت الى المعارضة الى السلطة وهي تحمل معها شتى الاتهامات بمن فيها الركوب على ظهور الدبابات الأميركية. وبعد أن وضعت حرب إسقاط النظام أوزارها أعلن الأميركان والبريطانيون إنهم قوة احتلال ونصبوا بول بريمر حاكما مطلقا على العراق لمدة عام. خلال ذاك العام أسس بريمر نظاما هجينا للحكم والديمقراطية في البلاد قوامها ديمقراطية عرجاء تقوم على ثنائية عجيبة غريبة في الحكم وهي المعارضة والموالاة في
 آن واحد.
أسباب كثيرة وقفت خلف تبني هذا الخيار لعل في المقدمة منه خشية غالبية الكتل والأحزاب والقوى السياسية بشتى خلفياتها وانتماءاتها العرقية والمذهبية والدينية من السلطة وفقا لتجذر فكرة وفكر المعارضة في سلوكها ومنهجها وطرائق تفكيرها. فكل هذه القوى سواء كانت من قوى الخارج أم الداخل مع أرجحية واضحة لقوى الخارج كانت قد أدمنت المعارضة على مدى أكثر من 35 عاما. وحين وجدت نفسها وهي في قمة السلطة وبقطع النظر عن الحلاوة التي توفرها السلطة حتى لكبار الزاهدين فيها ومنها فإنها بقيت تعيش عقلية المعارضة ولم تهضم بعد فكرة الحكم والسلطة. ربما باستثناء ماتوفره السلطة من بيوت فاخرة وقصور منيفة وسيارات مصفحة مظللة وحمايات تحمل شتى أنواع الأسلحة  وكتل كونكريتية سيجت كل أماكن وطرق تحركهم وحلهم وترحالهم.
النتيجة التي خرج بها الجميع بعد 16 عاما هي قناعتهم أن الديمقراطية التي تم تبينها بعد السقوط أو التحرير أول الأمر والاحتلال فيما بعد هي عرجاء ولابد من مغادرتها نحو أغلبية وأقلية. وهذا هو المفهوم  الصحيح والمتعارف عليه في العالم الديمقراطي. والواقع أن انتخابات عام 2018 كانت قد بشرت بحراك من هذا النوع كانت بدايته تشظي الكتل والكيانات
 المكوناتية. 
فلأول مرة بعد عام 2003 لم يعد لدينا بيت شيعي وبيت سني وبيت كردي. صحيح إنه لم يتبلور بيت وطني جامع باستثناء شكلية بناء تحالفي “الإصلاح والإعمار” من جهة و”البناء” من جهة أخرى. لكن تبلورت لدينا بيوت شيعية وأخرى سنية وثالثة كردية. هذا كان أول الغيث للتشظي الحقيقي بإتجاه تكوين الأغلبية السياسية أو الوطنية في الأقل. صحيح إننا لم نتمكن أثناء تشكيل الحكومة من البناء على ذلك بل تخطينا الكتلة الأكبر وهي مخالفة دستورية واضحة لكن بات هناك نوع من مقاومة المحاصصة ومحاولة التنصل عنها بهذه الطريقة
 أو تلك.
غير أن التحول الكبير حصل بعد خطاب المرجعية الذي كانت إشاراته والأوصاف التي أطلقها على الكتل السياسية قاسية فقد كان لابد من خطوة أولى شجاعة تبدأ من خلالها الكتل السياسية مسافة الألف ميل على صعيد بناء ديمراطية صحيحة. تيار الحكمة كان له قصب السبق في ذلك برغم إعلانات هنا وهناك خجولة من هذه الكتلة أو تلك  لكنه وضع النقاط على الحروف بادئا عهد الموالاة والمعارضة في العراق.