هل تصلح العلمانيَّة نظاماً لإدارة الحكم؟

السبت 22 حزيران 2019 387

هل تصلح العلمانيَّة نظاماً لإدارة الحكم؟
 جورج منصور
في أربعينيات القرن التاسع عشر، صاغ العالم الانكليزي جورج جاكوب هولياكي 
(1817 - 1906) مصطلح “العلمانيَّة”. أشار من خلاله الى مجموعة متنوعة من المعايير الاجتماعيَّة وطرق تطوير الإنسان باستخدام العقل والعلم والتنظيم الاجتماعي، داعياً الدولة الى التسامح مع جميع الأديان والمذاهب الفلسفيَّة والتزام الحياد، خاصة في ما يتعلق بقضايا الدين.
 
بعد هولياكي، جاء المصلح الاجتماعي الانكليزي تشارلز برادلو (1833 - 1891) ليطرح شكلاً آخرَ من العلمانيَّة، وتوجهاً جديداً، انتقد فيه الأديان بما فيها الدين المسيحي لتدخلها في شؤون السياسة، داعياً الى فصل الدين عن المؤسسات السياسيَّة والاجتماعيَّة والتعليميَّة.
في منتصف القرن التاسع عشر، وتحت نفوذ وتأثير الثقافة الغربيَّة، ظهرت في العالم العربي والإسلامي، مجموعة من المصطلحات المرادفة للعلمانيَّة، مثل الحداثة والتغريب، أريد منها إعادة بناء المجتمع العربي على أساس النموذج الأوروبي الحديث وتحديث الحياة فيه على الطريقة الغربيَّة.
على الصعيد العالمي، لقد قدَّمت التجربة التاريخيَّة للمجتمع البشري نماذجَ عديدة من النظم السياسيَّة والاجتماعيَّة: الاستبداديَّة الفرديَّة، الحزبيَّة، العسكريَّة، القبليَّة، الدينيَّة أو الأنظمة الشموليَّة التي ظهرت في الدول الاشتراكيَّة السابقة، إلى جانب الأنظمة السياسيَّة الديمقراطيَّة بكل تنوعاتها ومستويات تطورها، سواء أكانت أنظمة ملكيَّة أم
 جمهوريَّة.
تتبلور المضامين أو الخصائص الأساسية التي تميز الدولة والمجتمع المدنيين، عن المجتمعات الأخرى، غير المدنية بكل تنوعاتها أو أشكال ظهورها، في النقاط
 التالية:
1 - سيادة الحياة الدستورية والبرلمانية، التي تستند إلى مبادئ الحرية الفردية والديمقراطية، بما في ذلك حقوق الإنسان وحقوق المواطنة المتساوية وحقوق القوميات وحرية الإعلام، وكذلك احترام حرية المرأة ومساواتها بالرجل وحقوق الطفل.
2 - الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
3 - الفصل بين الدين والدولة، مع احترام أحدهما الآخر، والمحافظة على المؤسسات المدنية والدينية وعدم التداخل في ما بينها.
4 - التعددية الفكرية والسياسية والتداول الديمقراطي السلمي البرلماني للسلطة ووجود قوى في السلطة وأخرى في
 المعارضة.
5 - وجود منظمات المجتمع المدني بجوار مؤسسات الدولة المدنية وأجهزتها الديمقراطية التي تمارس عملها بكل حرية لصالح المجتمع وأعضاء تلك المنظمات.
6 - اعتماد آليات ديمقراطية سلمية لمعالجة المشكلات وفض النزاعات في المجتمع ورفض ممارسة القوة والعنف أو التهديد والوعيد بهما ورفض الإرهاب بكل صوره وأشكال ظهوره.
7 - رفض الفكر العنصري والشوفيني والطائفية السياسية والتمييز ضد المرأة واستغلال الطفل.
8 - مكافحة الفساد المالي والإداري عند ظهوره، وممارسة العدالة في توزيع واستخدام موارد الدولة المالية.
9 - اعتماد مبادئ الأمم المتحدة في العلاقات الدولية والتعايش السلمي مع جميع الدول والشعوب وإقامة علاقات تعاون وتنسيق مع منظومة المجتمع الدولي.
إنَّ هذه المبادئ التي تشكل العمود الفقري للمجتمع المدني، وفي مقدمتها مبدأ فصل الدين عن الدولة يطلق عليها بالعلمانية أو المدنية، ولا يمكن ان تسود بصورتها السليمة والفعلية إلا في مجتمع تسوده الحرية الفردية والديمقراطية وتُحترم فيه جميع الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكريَّة، وتمنح لأتباعها الحقوق الكاملة في العبادة ومزاولة طقوسها الدينية والمذهبية بكل حرية بعيداً عن تدخل الدولة في شؤون الدين
 واتباعه.
وتساعد هذه القاعدة بالحكم في تعزيز مبدأ احترام المواطن، لا على أساس الدين أو المذهب أو الفكر، بل على أساس كونه إنساناً وعضواً طبيعياً في المجتمع المدني الديمقراطي، يمتلك حقوقاً متساوية ويؤدي واجباته بالتناسب مع اختلاف المواقع والأساليب 
والأدوات.
لقد علمتنا التجارب، أنَّ التداخل بين الدين والدولة يقود إلى هيمنة الحكام على المؤسسات الدينيَّة واستغلال رجال الدين لصالح الحكام والدين لأغراض سياسيَّة، ولا تعود حصيلته في نهاية المطاف لمنفعة المجتمع أو المواطن. في حين يفترض أنْ تسود في المجتمع المدني الديمقراطي، روح المواطنة المتساوية بغض النظر عن الدين أو المذهب.
في كتابه (بين الثقافة والسياسة) طرح الروائي السعودي عبد الرحمن منيف جملةً من المشاكل التي تواجه المجتمع والإنسان وعرضها للنقاش، ثم خلص الى إعطاء رأيه في العلاقة بين الدين والسياسة، قائلا:”يُفترض أنْ يبقىٰ الدين أي دين في إطار الاعتقاد الخاص والشخصي وحين يتوجه إلى الآخرين يُفترض أنْ يبقىٰ في نطاق القيم الأخلاقيَّة ، أما إذا تحول إلى عمل سياسي فيصبح عندئذ ذريعة لسلب حرية الإنسان وإرغامهُ على الامتثال، كما يصبح وسيلة لقهر الآخرين وتبرير استغلالهم في الكثير من 
الأحيان”.
إنَّ العلمانيَّة تعني سيادة الحرية الفردية وممارسة المبادئ الديمقراطية واحترام جميع الأديان والمذاهب من دون التدخل في شؤونها أو الإساءة اليها. إذ حينما تنعدم الحريَّة الفرديَّة وتنحسر الديمقراطيَّة، يبدأ التمييز وعدم المساواة بين المواطنين ويزداد التضييق على الأديان والمذاهب.
إنَّ الاستفادة من تجارب الدول التي سبقتنا في التطور والتقدم الحضاري، وفي مجالات العلم والسياسة والاجتماع وحقوق الإنسان والفصل بين السلطات الثلاث وبين الدين والدولة، ليس مثلبةً، إذا حافظ ذلك على قدسيَّة الأديان والمذاهب واحترم أتباعها. وكان العراقيون في ثلاثينيات القرن الماضي سباقين بإطلاق مقولة لا تزال تتناقلها الألسن الى اليوم: “الدين لله والوطن
 للجميع”.