الشاشة الغائبة

الاثنين 24 حزيران 2019 260

الشاشة الغائبة
نصير فليح
 

من يعرف الشعب العراقي جيداً يعرف أنَّ القسمَ الأكبرَ منه متدينٌ، ولكنَّ قسماً كبيراً منه أيضاً، بما فيه من المتدينين، يحبُّ الفن والغناء والتسلية والترويح وما الى ذلك. 
وهذه الحال أمرٌ واقعٌ. وحال حب التسلية والترويح والترفيه والفن، يمكن ملاحظتها بوضوح بين الشباب أكثر من غيرهم. لكنَّ معظم الشاشات والقنوات الفضائيَّة الآن تتوزع بين قنوات إخبارية وقنوات دينيَّة، أو قنوات تقدمُ التسلية والترفيه بصورة كثيراً ما تكون مبتذلة أو سطحيَّة وبعيدة عن أي هدف تثقيفي. بينما الشاشات الترفيهية والترويحية التي تحتفي بالفن الجميل وتتضمن برامج تثقيفيَّة ممتعة تحفز الوعي وتزيد المعلومات (على غرار برنامج من سيربح المليون مثلاً) فتكاد تكون 
غائبة.
ذكرنا قبل قليل برنامج (من سيربح المليون)، وحتى لو كان المليون هذا ليس مليون دولار، بل مليون دينار عراقي، فإنَّ تقديم برامج تحفز المشاركة والاهتمام والمتابعة بالمعرفة والمعلومات سيلقى صدى كبيراً في الشارع وبين الشباب، وحتى أولئك الذين لا يفهمون شيئاً من عالم المعرفة ولا اهتمام لهم به، سيكون برنامجٌ كهذا مناسبة للفت انتباههم الى جوانب غائبة عن تفكيرهم.
غير أنَّ ظهور شاشات كهذه لاستقطاب شرائح واسعة من المجتمع العراقي يتطلبُ قبل كل شيء وعياً من المسؤولين عنها والقادرين على القيام بها، وشعورهم بضرورة عدم ترك شرائح واسعة من المجتمع والشباب فريسة للابتذال والتهريج ومزيدٍ من التدهور في الوعي والذائقة. 
كما تتطلب أنْ يكون الدعم المالي مجزياً، وأنْ يتم تذليل العوائق البيروقراطيَّة والشخصانيَّة والفساد، إذا ما أريد لمبادرات كهذه أنْ تنطلق بسرعة وحيويَّة وأنْ تستمر بهذه الحيوية 
والفعالية.
هناك بعض البرامج في بعض القنوات من باب سؤال عن معلومة معينة وتقديم هدية للشخص الذي يجيب، على سبيل المثال، ولكنها متواضعة التشويق والجذب. فلماذا لا تتم الاستفادة من التجارب الناجحة في البرامج التي أثبتت حضورها على مستوى العالم العربي، ومعرفة أسباب نجاحها، والعمل على 
غرارها؟ 
إنَّ مزج الثقافة بالمتعة، خلطة ناجحة وممكنة، أثبتت إمكان نجاحها متى ما توفرت لها العناصر الضروريَّة، وقبل كل شيء، الإرادة التي تجعل من فكرة تثقيف المجتمع والارتفاع بمستوى فكر وذائقة الشباب أمراً 
واقعاً. فرغم أنَّ عصرنا عصر السرعة والصورة والعولمة يفرض متطلباته الضرورية لنجاح الشاشات، بما تقدمه من محتوى، والحاجة الى توفير عناصر الإثارة والتشويق والسرعة بما ينسجم مع وضع العصر وذائقته وسرعته، فإنَّ إمكان توظيف سمات كهذه لصالح الثقافة والمعرفة أمرٌ ممكنٌ أيضاً، وهو يمكن أنْ يشمل مجالات مختلفة. لنتخيل مثلاً برامج منافسة موضوعها سلامة النطق بالعربيَّة الفصحى وكتابتها عبر جمل بسيطة
، أو معلومات عن تاريخ البلاد، أو معلومات عن الفلك والكون والفيزياء، أو معلومات عن الأدب تاريخاً وحاضراً، إذا ما تم تقديمها بنجاح وتشويق
، وكيف يمكن أنْ تكون ظاهرة إعلاميَّة ثقافية تسد شيئاً ولو يسيراً من الفراغ الهائل الذي نحن فيه الآن.