الروليتُ الروسيّ والتجربةُ الفنيةُ الصعبة

الثلاثاء 25 حزيران 2019 178

الروليتُ الروسيّ والتجربةُ الفنيةُ الصعبة
حسين السلمان
تظل أفلام الأنيميشن (الرسوم المتحركة) تتمتع بعالمها الخاص الذي كثيرا ما يضعنا جنبا إلى جنب أحلامنا فنلتقي مع آمالنا سواء كنا كبارا أم صغارا حيث نتفاعل من تلك الرسوم وهي تنط من بين دواخلنا كآلة الزمن العجيب التي تنقلنا بلمح البصر إلى ابعد أماكن الدنيا.
يعتمد فيلم الأنيميشن (روليت روسي) سيناريو وإخراج انس الموسوي الذي أيضا عمل الرسوم والتحريك عن قصة نور القره غولي على حكاية للعبة روسية كمنطلق أساس في تقديم ما هو أبعد من محدودية الحكاية في مفهومها التداولي وفي محتواها الفكري.
 
مدخل مغلق
يذهب بنا الفيلم منذ عتبته الأولى بدقائقه الأربع، إلى لعبة روسية تسمى اللعبة المميتة التي ظهرت عام 1917 التي لعبها الجنود الروس ويراد منها الانتحار أو إثبات الشجاعة. وأثرت هذه اللعبة تأثيرا كبيرا حتى أنها شملت شخصيات ثقافية وعلمية منها ويليام شوكلي الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء الذي حاول الانتحار بذات اللعبة، لكنه نجا منها. 
تبقى صناعة أفلام الأنيميشن تحتاج إلى عمل متناهي الدقة مثلما هي تتطلب جهودا مضاعفة، والاهم في كل هذا وجود وعي وتفكير يتجاوزان ما هو مألوف ومتداخل حتى يدخل بانسيابية إلى حقل الإبداع الفني.
إن قيمة الاشتغال الفني والفكري تكمن في هذا الفيلم عبر استنهاض فكرة أو حالة جامدة تتحول إلى عمل فني يمتلئ كما هائلا من الأسئلة التي أرتقت به إلى تجسيد ذلك الفيض من الدهشة والإبهار الصوري .فالمخرج أنس الموسوي، الذي ينتمي له الفيلم ،أقتحم عالما كبيرا وواسعا يكتظ فيه الكثير من المخاطر والعقبات ، ألا أنه أكد وجسد قدرته في التحدي والإصرار والثبات لتقديم ما هو جميل ومفيد.فالفيلم يعتمد كليا على عملية ابتكار منطلقة من حكاية غير محلية إلى حالة تلامس المحلي بشكل مغاير.إن الابتكار هنا لم يأت عبر حدث قصصي ،بل هو اشتغال فني تجسد عبر الإخراج والتصوير والرسم والتحريك إضافة إلى ابتكار في خلق الشخصية ذات خواص متباينة عن الشخصيات الاعتيادية .
 
أفكار ثلاثية الأبعاد 
يناقش الفيلم بشيء من الرمزية أو على شكل حالة إسقاط على الوضع المحلي الراهن. فكل شيء وارد في هذا المجال على الرغم من أنه جاء على هيئة شفرات ذات أبعاد متنوعة منها السياسي والاجتماعي وحتى الديني. فالفيلم من خلال الحكاية الأم ينقلنا بسرعة متناهية، من دون تركيز، الى عدد من العصور، عبر أشكال متنوعة من الألعاب (القنينة، الرند، الشطرنج، البوكر..) التي فيها يتقاتل الإنسان مع الإنسان أعلانا لعصر تتحول فيه القوة إلى بطل من نوع خاص يتمثل بأشكال الاضطهاد والقمع في الكثير من بقاع العالم.
وفي تصوري جاء الغموض في الفيلم بطريقة فاعلة في تمتين العلاقة ما بين الشاشة والصالة، وهذا عنصر تبادلي في بنائية الفيلم، حيث تكون الصورة هنا، وهي صورة مرسومة، تعبيرا عن الأحاسيس والمشاعر، كما أنها تحمل في داخلها وسيلة وأداة فاعلة في تقديم نفسها للمشاهد كفكرة قائمة بذاتها.
 
اشتغال صوري
واضح الاشتغال السينمائي في الفيلم عبر استخدامات العناصر اللغوية السينمائية .فالفيلم يتمتع ببناء حدث منسجم مع التقنيات المستخدمة وكذلك يتداخل مع الأسلوب الفني متمثلا بأحجام اللقطات والزوايا والحركة والتكوينات .وهنا يتوجب الإشارة إلى استخدام اللون ، وهو جاء على شكل لون أحادي بظلال قاتمة ، وهو شكل مضاف إلى رمزية الحدث حيث ظهر متناسقا مع طبيعة الحدث ، وهي طبيعة مغلقة أدخلنا إليها الكاتب من جو خارجي ممطر إلى غرفة مغلقة مجردة من عناصر الحياة الطبيعية  داخلها تجلس شخصيتان مغلقتان لا ملامح لهما بفعل الظلال الساقطة عليهما وهما يمارسان لعبة الروليت الروسي المميتة.
 
تجربة واعدة
إن تجربة هذا الفيلم (الروليت الروسي) يمكن أن تكون مدخلا جميلا لولادة حركة فنية في مجال نحن لا نمتلك فيه إلا تجارب بسيطة لم تستطع الصمود أمام الإشكاليات الذاتية منها والموضوعية. فإذا اعتمدنا هذا الفيلم كوحدة أساس لحركة جيدة ومنطلق لها فإنني أرى أننا سنجعل بداية طيبة لصناعة هذا الفن الجميل الذي نحتاجه بشكل كبير في عملنا السينمائي.