البعد الستراتيجي لفتوى الدفاع الكفائي

الثلاثاء 25 حزيران 2019 142

البعد الستراتيجي لفتوى الدفاع الكفائي
عباس الصباغ
لم تكن فتوى الجهاد الكفائي التي اطلقها  آية الله السيستاني (دام ظله) في  13 / 6 / 2014 اي بعد ثلاثة ايام فقط من الاجتياح الداعشي لما يقرب من  ثلث مساحة العراق ، لم تكن مجرد نص فقهي صادر من مرجع تقليد الى مقلديه فقط  وهو امر معتاد عليه في تاريخ المرجعية الشيعية على طول التاريخ ،  او نصا املته مصلحة وقتية ، وانما كانت مشروعا ستراتيجيا وطنيا متكاملا وموجّها الى جميع من يستطيع ان يحمل السلاح من العراقيين ويدافع دفاعا  كفائيا وليس عينيا وذلك  بعد ان ايقن آية الله السيستاني ببصيرته الثاقبة ان الغزو الداعشي  للعراق  لم يكن وليد لحظته  او ظرفه الخاص، بل كان مشروعا دوليا ـ اقليميا و سيا / طائفيا تدميريا اعدّ بسيناريو متقن في الكواليس المعتمة لمخابرات دول لم تستسغ التغيير الديمقراطي النيساني الذي انتشل العراق من براثن ديكتاتورية شمولية مقيتة او تستمرئه او خافت من انتقال عدوى الديمقراطية الى متونها،  فراحت تشنّ حربا ارهابية هوجاء بدئت بسيناريو الاعمال الارهابية التي طالت الابرياء في شوارع العراق وكان داعش الحلقة الاكثر دموية في هذا السيناريو الذي كان الهدف منه تدمير العراق كمرتكزات حضارية وموارد بشرية ومادية وبنى تحتية  اولا وارجاعه الى مربع الصفر اي الى ماقبل التغيير النيساني ثانيا، فالاحتلال الداعشي لثلث مساحة العراق كان بداية هذا الهدف وبؤرة انطلاق ستراتيجية له وبعد ان احتل لمايقرب من نصف مساحة سوريا وزحف عبر الحدود العراقية ـ السورية التي كانت مسرحا له ليؤسس لما  كان يسمى بالدولة الاسلامية في العراق والشام ، وكانت في حينها العاصمة بغداد على مرمى حجر من عصاباته المتوحشة ليكون هذا الاحتلال بداية ً لقضم ماتبقى من ارض العراق المكتظة بالخيرات الوفيرة  وليزحف الى بقية المدن الآمنة ويدمرها تدميرا خاصة المقدسة منها ككربلاء والنجف الاشرف وغيرها ، وهو هدف اعلنت عنه جميع ادبيات داعش وليتم تنفيذ المشروع الطائفي بحذافيره الذي بدأت ملامحه في الموصل باستهداف جميع الرموز الدينية والحضارية لسكانها ومن هنا تتوضح الاهمية الستراتيجية لفتوى الجهاد الكفائي التي استطاعت ان تحشّد طاقات جميع العراقيين على اختلاف مشاربهم وعناوينهم ، وهي التي افشلت هذا المشروع وشلته تماما وقد ايقن اية الله السيستاني ان مشروع الاحتلال هو ليس مشروعا زمكانياً محددا  بعينه ، بل هو مشروع ستراتيجي متواصل لاينتهي الا بجعل العراق قاعا صفصفا ، وعندها سيكون العراق ارضا وشعبا وحضارة في خبر كان ويصبح العراق اثرا بعد عين وهو المطلوب من هذا السيناريو المتوحش والذي افشلته فتوى الدفاع الكفائي فشلا ذريعا واوقفته عند حده  بل قلبت الطاولة على رؤوس واضعيه ومهندسيه ومنفذيه ومبرمجي 
اجنداته  .
وبناء على مضمون تلك الفتوى الخالدة انبرى جميع العراقيين ومن جميع الوان طيفهم وفسيفسائهم الجميلة ملبين اياها دفاعا عن الارض والعِرض والمقدسات ، حتى غصَّت مراكز التطوع والتدريب بهم وبعد ان وصلت اعدادهم المليونية الى مستوى فاض عن الحاجة بشكل غير متوقع  للجميع وكانت اعداد المتطوعين كافية لتكون سندا قويا للقوات الامنية وللجيش العراقي الباسل وهو مايكشف عن الهدف الستراتيجي الحقيقي للفتوى بتحشيد الطاقات البشرية المتاحة لتكون عونا ستراتيجيا  لقوى الامن والجيش فكان معلوما للجميع كحقيقة ثابتة ان الجيش العراقي لم يكن إبان الاجتياح الداعشي للعراق جاهزا جهوزية كاملة تؤهله لأخذ دوره الوطني  في الوقوف ضد الهجمة الداعشية الصفراء، فكان الحشد الشعبي هو القوة التي استكمل بها الجيش وقوى الامن قوتهم الضاربة في جميع المناطق التي استولى عليها داعش ابتداء من جرف النصر وانتهاء بالموصل الحدباء وعلى مدى ثلاث سنوات من القتال الضاري  الى تحقق النصر المؤزر  بتضافر جهود ودماء منتسبي الجيش العراقي والقوى الامنية والبيشمركة والمتطوعين وفصائل الحشد الشعبي وغيرهم ومن جميع شرائح النسيج المجتمعي والاثني والقومي والديني والمذهبي في العراق ولم يتحقق النصر المبين إلا بتلك الدماء التي اختلطت على اديم الوطن  وكل ذلك تحقق بفضل الفتوى التي جاءت في وقتها وهدفها المناسبين ولولاها لتغيرت الخارطة الجيوستراتيجية  للعراق تغييرا تاما
لاسمح  الله.