مكتباتٌ في مقاهٍ.. أسلوبٌ آخر لإنعاش القراءة

الثلاثاء 02 تموز 2019 390

مكتباتٌ في مقاهٍ.. أسلوبٌ آخر لإنعاش القراءة
 بغداد / رلى واثق
الكتاب كان مثار اهتمام الشباب والكبار في الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي، الا انه بسبب ظروف الحرب والحصار و تلتها مرحلة الانفتاح الالكتروني والشباب المتعطش لهذه التكنولوجيا، باتت هناك فجوة كبيرة بين الناس بصورة عامة والكتاب، الا فئة قليلة بقيت متمسكة بالكتاب، لكن المهم ان يكون من بينهم الشباب، فهم عماد البلد ولابد ان يكون فيه مثقفون، وعليه ظهر اسلوب آخر لجذبهم للقراءة، فكانت في مقاهٍ، تضم مكتبة يجتمع فيها الشباب والمثقفون والادباء للقراءة وتناول المشروبات الباردة والساخنة وقضاء اوقات ممتعة بجلسات نقاشية ممتعة تزيد من الثقافة الشخصية للافراد، هذا الاسلوب جذب المثقفين من الرواد والشباب فكانت بادرة جيدة لزيادة الوعي الثقافي في البلد. 
قهوة وكتاب
صاحب مقهى (قهوة وكتاب) ياسر علاء يقول:
“امتلك مكتبة في شارع المتنبي الا انها وضمن توقيتات هذا الشارع ينتهي العمل فيها عند الساعة الثانية ظهراً، فجاءت الفكرة بفتح مكتبة خارج هذا الشارع تستمر بالعمل لساعات متأخرة بهدف جذب الشباب للقراءة، ونتيجة للسفر خارج البلاد والاطلاع على الاساليب الحديثة في هذا المجال، فهناك تنتشر ظاهرة المقاهي الثقافية، فكانت المجازفة في فتح مقهى بمنطقة الكرادة يضم مجموعة من الكتب بعيداً عن الاركيلة والضوضاء”.
ويضيف:”بدأت الفكرة بمقهى صغير قبل ثلاث سنوات، لكنه لاقى اقبالاً كبيراً من قبل الادباء والمثقفين، فعملنا على توسعته، وبعدها استحدثنا جلسات ثقافية لمرتين او ثلاث شهرياً وجلسات موسيقية، فضلاً عن اقامة 50 حفل توقيع للكتب، وتعد هذه المكتبة الاولى في نهجها الثقافي”.
وتطرق علاء الى :”ان جميع الكتب الموجودة في هذا المقهى ثقافية في مجالات الادب والشعر والرواية، وكان الهدف الاساسي، بالاضافة لجذب القراء واحياء واعادة الهيبة للكتاب الورقي من جديد هو ان تكون المكتبة عامة تفسح المجال للمرأة بارتيادها ونجحنا في ذلك، وعليه هناك نية في فتح فرع آخر للمقهى بالاسلوب نفسه”.
 
مكتبات للاستثمار
عضو مجلس محافظة بغداد مازن رزوقي بين: “عانى الوضع العام في البلد من مشكلات عديدة وكبيرة بما فيه المكتبات، والاهم هو عزوف الشباب عن قراءة الكتب ووجود الاعلام الالكتروني  الذي كان سبباً في تراجع مرتادي المكتبات”.
ويستدرك رزوقي:” ان ما تقدم لا يعني الغاء المكتبات ودورها في نشر الثقافة، وهذا ما هو معروف عن المجتمع العراقي الذي يتمتع بدرجة عالية من الثقافة نتيجة كثرة القراءة، وما نلاحظه من اهتمام كبير بشارع المتنبي من قبل شريحة المثقفين”.
ويتابع رزوقي :”هناك قرار غير مدروس قد رفع الى مجلس محافظة بغداد، كونه المسؤول عن المكتبات باحالتها الى الاستثمار، الا ان القرار جوبه بالرفض من قبل مجموعة من اعضاء المجلس، كون الموافقة على مثل هكذا قرار فيها تدمير لجزء كبير من التراث والثقافة، اذ تم بالفعل تحويل احدى المكتبات الى قاعة للاعراس بعد ان كانت مكتبة تضم الكتب الثقافية والعلمية والدينية والتي تهم شرائح كبيرة من المجتمع”.
ويستطرد:”الكتاب له دور مهم في المجتمع حتى المعلومات الالكترونية التي نحصل عليها تأتي من امهات الكتب، وعليه لايمكن الغاء المكتبات نتيجة صعوبة الظروف الاقتصادية، فعلى الرغم من جميع الاحداث، لكن املنا بالمستقبل بأن تمارس نشاطات ثقافية ببنايات المكتبات وجلسات نقاشية وتوفر الامكانيات المناسبة لرعاية هذه المكتبات، وهذا ماوجدناه في عدد من المكتبات التي تحولت الى منتديات ثقافية، فالمكتبات دورها مهم كجزء من 
التراث”. 
 
مكتبات جوالة
الامين العام لاتحاد الادباء والكتاب في العراق ابراهيم الخياط يقول:”العراق كان فيه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي الكثير من المقاهي والتي يتجمع فيها الكثير من الشباب وكبار السن اضافة الى السياح والمستشرقين الذين قالوا “في العراق تجد بين كل مقهى ومقهى مقهى”، ومثلها المكتبات العامة والتي كانت تنتشر حتى في الاقضية والنواحي والتي تتوفر فيها سبل الراحة والاستجمام من اجهزة التبريد والهدوء التام، والجيل الذي نشأ آنذاك تربى في هذه المكتبات، اذ كانت مكاناً للقراءة ايام الامتحانات المدرسية، وللاطلاع وقضاء الاوقات ايام العطل ولتظهر المقولة الشهيرة “القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ”.
ويضيف الخياط:” المفاجأة في حينها هي تبعية تلك المكتبات الى وزارة الداخلية والتي مازالت لغاية الان نتيجة للاجراءات الرقابية التي كانت تتبعها السلطات آنذاك، والتي تمنح جرعة الكتابة لكنها “مفلترة” اي انها لا تسمح بوجود جميع الكتب في تلك المكتبات، بل انها في اغلب الاحيان تجري حملات تفتيشية على جميع المكتبات في العراق، والاكثر من ذلك انك تقرأ كتاباً وبعد عام او اثنين عندما تطلبه للاستعارة الخارجية تكون الاجابة بأنه سحب لاجراءات امنية، ورغم كل ذلك فان هذه الكتب لم تحرق وهي مازالت موجودة في حين ان تعليمات تبعية تلك المكتبات باقية نفسها”.
ويؤكد:” ان اللقاءات الثقافية كانت في حينها تتركز في مناطق الميدان والرشيد والباب المعظم ومن ثم انتقلت الى الكرادة، وبتطور الحياة المدنية والتكنولوجيا بظهور اجهزة الهاتف الحديثة واجهزة الاستقبال الرقمي والانترنت، بدأ التحول الثقافي ينتقل الى منطقة الكرادة والتي تحولت مقاهيها الى اماكن جذب واستقطاب للمثقفين وبضمنها الاجتماعات التي مهدت لتظاهرات 2011 و2015، مشيراً الى ان اندماج المكتبات مع المقاهي هو الوجه  الثقافي للعراق في السابق، بعد ان اندمجا في مكان واحد، واصبح القادم الى بغداد من المحافظات او من دول الخارج يلتقط الصور في تلك المقاهي، كتوثيق لحالته ووجوده في اماكن ثقافية جديدة في العاصمة شعوراً منه بالزهو”.
ويشيد الخياط بدور وزارة الثقافة والسياحة والاثار بنشر الوعي والثقافة بين ابناء الشعب بقوله:
“وجود “المكتبة الجوالة”  افضل ما مر به العراق من ناحية عرض الكتب، اذ تعد هذه الفكرة راقية وجيدة وموجودة في دول العالم،  مؤكداً الاحتياج الى زيادة عدد العجلات التي تحمل تلك الكتب في تجوالها، وان تكون هنالك تغطية عبر وسائل الاعلام لهذا المشروع الريادي، وتواجد هذا المشروع في المهرجانات التي يقيمها الاتحاد كالمتنبي او المربد او الجواهري وباقي الاجتماعات الادبية التي يحضرها نحو 400 اديب، فضلاً عن اجتماعات الفنانين والصحفيين وفي الفعاليات الثقافية والموسيقية التي تقام في مسارح المنصور والوطني والرشيد بعد 
تأهيله”.
ونبه الخياط الى ان:” الاتحاد تحدث عن طريق منصاته الخاصة والندوات واللقاءات عن ضرورة اعادة تبعية المكتبات الى وزارة الثقافة، ومثل هذا الامر يحتاج الى تقديم طلب رسمي من الوزارة في اجتماع مجلس الوزراء لتنفيذ مثل هذا
 الامر”. 
 
دعم ثقافي
المتحدث باسم وزارة الثقافة والسياحة والاثار عمران العبيدي يوضح ان:”المشهد الثقافي بشكل عام مشهد حافل بالحراك الذي يتخذ وسائل واوجهاً عدة، لكنها في النهاية تصب في مسار خدمة واعلاء هذا المشهد، والمقاهي الثقافية التي اخذت رواجاً كبيراً في الاونة الأخيرة وانتشرت على مساحة كبيرة من بغداد والمحافظات وتمارس نشاطها بشكل لافت مساءً تعد تجربة ممتازة من أجل الاسهام في تنشيط الحراك الثقافي”.
ويضيف:”نرى النشاطات الثقافية تقام على مدار الاسبوع في هذه المقاهي..  ندوات، قراءات شعرية وتوقيع كتب وموسيقى وغيرها، وهذا دليل على تعافي المشهد الثقافي والفني  وحيويته، وهذه المقاهي والمنتديات تسهم بشكل فاعل في انماء وزيادة الوعي الثقافي لدى الشباب وتحفيزهم على الاندماج في هذا المشهد والافادة من تجارب 
الرواد”.
ويشير الى ان :”تجربة المقاهي الأدبية ليست جديدة، ولكن هي في اتساع واصبحت تفتح ابوابها صباحاً ومساء، ما اتاح لها القدرة على التأثير واستيعاب الفعاليات الثقافية، هذا وان النشاطات والمقاهي هي بادرات شخصية ووزارة الثقافة لا تدخر جهداً للتعاون مع هذه المنتديات لان هذا العمل يصب في خدمة 
الثقافة”.
ويبين عمران ان:” الوزارة لديها  دوائر تختص بطباعة الكتب وتقدم خدماتها للادباء عن طريق  طبع نتاجاتهم في هذه الدوائر وحسب سياقات متبعة وتخضع الكتب التي تتم طباعتها للجان مختصة والهدف من ذلك ان يكون المطبوع رصيناً من حيث المادة والمضمون، وهي ايضاً تحرص على اقامة الكثير من المعارض للكتاب، سواء تلك المعارض الدائمية او المعارض التي تقام على هامش بعض الفعاليات الثقافية في بغداد والمحافظات وهي بذلك تسهم بالتشجيع على القراءة”.