سعدون ضمد: نحاور أنفسنا عبر تاريخ مكتظ بالآخرين

الخميس 04 تموز 2019 273

سعدون ضمد: نحاور أنفسنا  عبر تاريخ مكتظ بالآخرين
حاوره في بغداد: حسن جوان
 
 
* هل على المثقف الديني او الليبرالي ان ينشر كتاباً مرحلياً يؤرخ فيه لتحولاته الفكرية والعاطفية؟ وما هو الضمان في ثبات آخر فتوحاته؟
 
-الربط الموجود في السؤال بين مفهومي ”المثقف“ و”الديني“، وهو ربط اشكالي كما تعلم، يجعلني مضطراً إلى تفصيل اجابتي على النحو التالي:
أولاً: التعريف الذي اتبناه للمثقف، هو ذاك الذي يحصر دلالات المفهوم بالمثقف الواقف على الحياد من جميع أشكال الأيديولوجيا. نعم يمكن له يدعم مواقف آيديولوجية دون اخرى، كلَّما كانت هذه المواقف منسجمة مع القانون المرعي او المبادئ الانسانية او ضرورات المصلحة العامة. لكنه لا يقف مع هذه الأيديولوجيا باستمرار، أي لا ينتمي إليها. ومن ثم فمفهوم المثقف، كما افهمه، يطرد العقل المنغلق آيديولوجياً، وسواء أعبَّرت الايديولوجيا عن حالة من عدم الحياد الديني أو عن حالة من عدم الحياد الحزبي. ففي كلا الحالين سنصل إلى شخص في طور النضج المعرفي، لأن الانتماء، وعندما يُعبِّر عن حالة من الثقة التامة بعلويَّة فكرة ما على جميع الافكار الأخرى المنافسة لها، إنما يعبر عن حالة من التوقّف وعدم النضج. وأنا دائما أقول بأن المثقف عين المجتمع، والعقل “المؤدلج” يرى باتجاه واحد، ومن ثم فهو عين غير 
سليمة.
 
ثانياً: فيما يتعلق بالانتاج، لا نستطيع أن نفرض على المثقف نمطاً محددا من الإنتاج، آخذين بنظر الاعتبار أن مفهوم المثقف أوسع من مفهوم الكاتب، وهو يشمل الممثل والتشكيلي والعالم في الطبيعة وما إلى ذلك، وبالتالي فما ننتظره من المثقف أن يكون صادقاً وجريئاً وواضحاً في نقده للموروث أو الظاهرة محل عنايته، كل بحسب مَنْطَقَة اشتغاله وطبيعة انتاجه. وأن لا يجامل أو يهادن أو يتهاون. أما إذا تناول تحولاته الفكرية بكتاب، فهنا يجب أن تكون الأمانة حاضرة وبقوة، باعتبار أن النقد يجب ان يكون خالياً من الشخصنة. هذا من جهة، ومن جهة أهم، افترض بان الحديث عن التحولات لا يكون بتلك الأهميَّة إذا لم ينزل إلى الجذور ويتناول الركائز بشجاعة؛ لأن اللف والدوران ومراعاة المحرمات بمختلف اشكالها الدينية أو الاجتماعية او التقاليديَّة او العرفيَّة، إنما يأتي على حساب الصدق والامانة، ومن ثم فستكون المكاشفة غير تامَّة والخطاب موارباً ومخاتلاً.  
 
ثالثاً: في ما يتعلق بـ“اخر الفتوحات“ فلا ضمانة بالموضوع، بل على العكس، على المثقف ولكي لا يعطي افكاره اي فرصة لأن تدخل دائرة التقديس والديمومة، أن يعلن باستمرار عن نسبيتها، ثم يؤكد على انه مشروع تحول مستمر، وبان دوره ينحصر في مناقشة الأسئلة وطرح الإجابات المُختَلِفة عنها، لا تحديد إجابة واحدة فقط.
 
*هل تعتبر تبدل القناعات علامة صحية في تكوين الفرد وانفعاله أمام المتغيرات الدفعية والمفاجئة، هل تدعو إلى المراجعة دائما؟
-التحولات الناجمة عن معالجة الأسئلة والبحث الموضوعي في الاجابة عنها، هي حالة صحية بالتأكيد. ولولا تبدل القناعات لما تطور الفكر البشري ولبقي يراوح في مكان واحد. كل الافكار الابداعية والفلسفات العظيمة والنظريات العلمية، ومختلف المدارس الفنية، تنشأ عن حالة من تبدل القناعات تحدث لدى شخص يتميَّز بقدرته على تحدي الموروث وطرح بدائل يرى، هو، بانها منسجمة أكثر من غيرها مع تطورات عصره الراهن، ومواكبة لتطلعاته وملبية لاشتراطاته. بل المفارقة الغريبة بهذا الصدد أن الايديولوجيات عموماً، الدينية وغيرها، تأتي في سياق يدعو إلى ضرورة نقد الموروث وتصحيحه، ما يملي عليها أن تكون بعيدة عن الثبات والديمومة، لكنها سرعان ما تنقلب على نفسها وتقع في فخ المقدس والثابت.
أما فيما يتعلق بالمراجعة المستمرَّة، فقد لا تكون ممكنة دائماً. فربما تتغير اشتغالات الباحث، أو المثقف إذا شئت، فينتقل من دائرة اهتمام إلى آخرى، ثم لا يتسنى له مراجعة المرتكزات التي تقف عليها دائرة اشتغاله السابقة. لكن من المهم أن يستمر بمعالجة الأسئلة التي تدور حولها اشتغالاته الجديدة.
إذاً انا ادعو المثقف إلى التمسك بعلامات الاستفهام وإلى الاستمرار بمعالجة الأسئلة التي تقع في صلب
 اهتمامه.
 
*هتكت الاسرار، ومددت عصاك نحو رقاب القديسين، ربما طعنت في الأسس المنطقية لكثير من القناعات، ومن ثم عبرت باتجاه وسيط، روحاني، متصوف، لتعيد هدمه ايضاً في النهاية، الم يكلّ معولك الهدام؟
-هذا التشبيه جميل، أقصد؛ “مد العصا نحو رقاب القديسين” وما يتضمنه من إحالة إلى قصَّة قيام النبي ابراهيم بعمليَّة هدم أصنام قومه. لكن هل يستطيع إنسان ضعيف مثلي ومحدود القدرات، أن يترك أثراً في جماعته يرتقي الى مستوى هدم القناعات والمسلمات؟ لا اعتقد بأني تركت ولو نسبة قليلة من هذا التأثير. ومع ذلك أنا فعلاً حاولت التعريض بعملية التقديس في كتابي (أوثان القديسين، جدل الحضارة والوعي والوجود) وذلك من خلال تفكيك عملية الوعي، باعتبارها الحاضن الاساس لفكرة التقديس، ومحاولة طرح وجهة نظر مختلفة عن اسبابها وقوَّة تأثيرها. وتتلخص وجهة النظر هذه بمفهوم ”دائرة الوعي المغلقة“ وهي تنفي إمكانية التواصل مع المطلق أو الاتصال به. لانها تقول بأن الوعي البشري مغلق عليه بحدود هي عبارة عن الإمكانيات المتاحة له، وهي إمكانيات محدودة جداً. وإذا كان هناك، في ما يتعلق بي، ما يصح أن نعتبره معولاً لهدم المسلمات، فهو هذا المفهوم، الذي آمل، وعبر إكمال مشروعه، أن أنجز مخطَّطاً انثروبولوجياً لحدود الوعي البشري. وكلّي ثقة بأن هذه الحدود بعد تحديدها ستطيح بالكثير من المفاهيم “الثابتة”، ليس على مستوى العلوم الانسانية فقط، بل وحتى الطبيعية.
 
*في مسارك الأكاديمي، البحثي، في فضاءات الأنثروبولوجيا، تناولت قصائد النائحات، وحللت دلالاتها. هل تعتبر تلك المراثي تعبيراً اجتماعيا تحليليا عن علاقة الشريك بشريكته؟
-اتَّخذت من شعر النعي، والذي هو عبارة عن مقاطع شعرية قصيرة نظمتها النساء النائحات الجنوبيات، مادة لرسالة الماجستير التي قدمتها إلى قسم الأنثروبولوجيا في جامعة بغداد. وفي هذا الشعر، وكما أشَرْتَ أنت، وجدت تجليات غريبة لعلاقة المرأة بالرجل في فضاء الثقافة الجنوبية العراقية التي درستها عبر هذا الشعر. وإذا كان عليَّ أن الخّص ما تبين لي بشأن تعقيدات هذه العلاقة، فسالخّصها بنتيجتين:
النتيجة الأولى؛ تتلخص في أن المرأة، وجدت نفسها، وبسبب هيمنة الرجل على جميع مفاصل الحياة، ومنْعِها من المشاركة الحقيقية في ادارة شؤون الجماعة، أو على الاقل في إدارة شؤونها هي، وَجَدَت نفسها مضطرَّة إلى استبدال منافسته على ادارة شؤون الجماعة، بما يشبه عملية إدارته هو، ثم وعبر إدارتها للرجل تمكنت من المشاركة بادراة جماعتها. أما كيف تمكنت من ذلك، فعبر تسليطها لطاقة هائلة من النقد، أو “اللوم والتانيب والتقريع”، ضمَّنتها في شعر النعي وعملت على تحويلها إلى بكائيات اضطر الذكر إلى سماعها، يومياً، في مراحل حياته المبكرة. وهكذا وعبر عملية طويلة من التنشئة الاجتماعية استطاعت أن تصنع الرجل وفق المحددات التي تنسجم ومصالحها ورؤيتها للحياة، وتفاصيل هذه العملية منشورة في كتاب (النحت على صخرة الموت) الذي هو إعادة انتاج للرسالة السالفة.
النتيجة الثانية؛ تتأسس على النتيجة الأولى، فعبر عملية التنشئة الاجتماعية المرتكزة على اللوم والنقد، استطاعت المرأة، على الاقل الجنوبية وداخل فضاء الدراسة، أن تَفْرِض على مجتمعها مجموعة من اللوائح التي ضمَّنتها في التقاليد والاعراف، تكفل لها أهم حقوقها، والغريب في هذا الموضوع، أن هذه اللوائح تم إدراجها في الثقافة ورضخ لها الرجل بشكل سلس ومن دون ضجيج.
 
*اتخذت الإعلام مهنة ووسيلة حوارية باعتبارك مقدم برامج، كيف توازن بين معطى الحوار ومعطى الخطاب الأحادي؟
-مهما حاول الخطاب السياسي أن يكون أحادياً، فإنه لن ينجح تماماً، لأن ليس هناك خطاب يمكن ان يعيش في عزلة، لأننا جميعاً في حالة من التفاعل والانفعال، قد نتخيل أننا في حواراتنا الداخلية نحاور انفسنا، لكن في الحقيقة نحن نحاور تاريخاً مكتظاً بالآخرين، من مفكرين وعلماء ومقدَّسين ومدنسين وسلاطين ووووالخ. على هذا الأساس فحالة العزل او الانعزال التامة غير موجودة.
إذاً هناك حالة من الحوار، لكن بمستويات مختلفة حول مواضيع مختلفة، وهي بالتأكيد مع مختلفين، والحوار الذي يجري في دائرة الثقافة، وسواء أكان مع آخرين حقيقيين في الخارج، أو متخيلين يجري في داخل الذات، هو في النهاية عبارة عن عملية سيرورة وانضاج للتجربة وللعقل
 والذات.
على هذا الأساس فالحوار الذي يجري في مساحة الثقافة مع المشتغلين بالثقافة ينعكس على ذاك الذي يجري في داخل مساحة السياسة مع المشتغلين في السياسة. والعكس
 صحيح.