إيضاحٌ على إيضاح!

السبت 06 تموز 2019 136

إيضاحٌ على إيضاح!
 جواد علي كسّار
ليس هذا ردّ بل إيضاح على إيضاح صديقنا د. علاء حميد الذي نشرته "الصباح" الأسبوع الماضي، فقد شاء زميلنا العزيز أن يقرأ السُباعية التي قدّمتها "الصباح" عن حوارية وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف، من زاوية مهمّة جداً؛ هي إشكالية التواصل والتفاصل بين الجماعات السياسية في العراق (يُنظر: الجماعات السياسية في العراق: إشكالية الانفصال والاتصال "الصباح" العدد 4569، الثلاثاء، تموز 2019م، الصفحة الرابعة).
لقد التقط علاء حميد نقطة هي من أبرز عناصر الحالة الإيرانية، متمثلةً بديموية الدولة. فالدولة أو المؤسّسة السياسية، هي إلى جوار البازار أو المؤسّسة الاقتصادية، والحوزة أو المؤسّسة الدينية؛ ثلاث مرجعيات خارقة للزمان، يلتقي فيها الإدراك الإيراني ويتوحّد من خلالها الشعور الوطني. تعود عراقة هذه المرجعيات الثلاث إلى خمسة قرون مضت، فمنذ أن اكتسبت الدولة الإيرانية ملامحها الوطنية بداية العصر الصفوي سنة 1501م، ظلّت مع المؤسّستين الاقتصادية والدينية (البازار والحوزة) تمثل استمرارية إيران ووعي الإيراني بإيرانيته، من خلال هذه العناصر، التي بقيت تُشكل الإدراك العام ونقطة الارتكاز للإيراني، حتى وهو يتحوّل من العصر الصفوي إلى القاجاري إلى البهلوي، ثمّ عصر الخميني وامتداده الحاضر.
هذا التراكم ونقطة الارتكاز المرجعي، هو ما يشكو علاء حميد غيابه عن الحالة العراقية، التي نسب فعلها السياسي إلى "جماعات سياسية" ربما انسجاماً مع منحاه الانثربولوجي، وكذلك غياب الطبقة تبعاً لغياب الاقتصاد المُنتِج.
لستُ أريد الآن أن أناقش استعمال الباحث لمفهوم "الجماعات السياسية" بدلاً من أن يعيد تفسير وجود هذه الجماعات وقراءة دورها، على قواعد أعمق، كما لا يعنيني في هذه اللحظة مناقشة مفهوم الطبقة وقاعدتها التأسيسية في الاقتصاد، وفق الفرضية الماركسية للمفهوم، وإنما تعنيني الإشارة إلى نقطة تفسّر سبب فقدان المرجعية وغياب التراكم.
يعود تأسيس الدولة العراقية إلى عام 1921م بفارق أكثر من (450) سنة من نشوئها في إيران، ومع ذلك شهدت المرحلة الملكية من حياة الدولة العراقية، صيرورات متعدّدة الجوانب والأبعاد،على صعيد هوية الدولة، والهوية الوطنية الجامعة، والاقتصاد الإنتاجي، وتفتّح الحياة المدنية، ونموّ جيد في بيروقراطية الدولة وهكذا. وقد حصل ذلك كله في مدّة قياسية لم تتعدّ الجيل الواحد، إلا ببضع سنوات.
بيدَ أن ما حصل؛ أن أسلوب التحوّل إلى الجمهورية وأد ذلك كله، ففي ليلة دموية قاسية انتهى كلّ شيء، وقيل عن انقلاب عسكري غاشم أنه ثورة، وبعد مدّة شهدنا الانقلاب على الانقلاب، ودموية مرعبة سادت الحياة العراقية، تحت وصف عروس الثورات؛ وبعد هذه "العروس" جاء انقلاب البعث عام 1968م، ورعب قاعة الخلد وتصفياتها، وبعدها كانت الحروب الثلاث؛ العراقية الإيرانية، وتحرير الكويت، وإسقاط النظام، تخللها الحصار الظلوم، وتلاها الإرهاب الغشوم؛ هكذا كانت الحياة السياسية في عهود الجمهورية بين 1958ـ 2003م!.
السؤال: لو كان نهج العهد الملكي قد دام، على كلّ ما فيه من نواقص وفساد، أما كنا اليوم أمام مرجعية وطنية، قد تصيرّت على مدار عقود، ومن ثمّ أصبحنا أمام التراكمية التي يبحث عنها علاء حميد، ونحن معه؟!.