ابراهيم العبادي
يتفق كثيرون في العراق على ان الاستمرار في عرض المشكلات وسرد الازمات والدوران في فلك الخطاب الاعلامي والسياسي المحبط ،خلق المزيد من المشكلات والازمات الجديدة ، دونما نجاح يذكر في معالجة الاخطاء واجتراح الحلول وحلحلة العقد المستعصية ، صحيح ان الدولة العراقية يشوبها الكثير ممايستدعي النقد والنقد العنيف ،لايقاظ النائمين والمستريحين والمستفيدين من هذا الحال ،لكن الاثر النفسي والاجتماعي والسياسي ، لخطاب غير ممنهج بجدوى عملية او غايات نبيلة ، اشاع السوداوية والعجز والقطيعة بين الاكثرية الشعبية واقلية الحكم والحاكمين والمنتفعين ،وعقد
امكانية الخروج من الاشكاليات المستعصية ،فمثل ازمات العراق ومشاكله ، لن تنجح طبقة سياسية مهما اوتيت من الحكمة والقوة والشجاعة ، للخروج منها مالم تتعاضد معها ارادة شعبية ، ورأي عام مستنير ، ومصمم على احداث التغيير وتجاوز المحنة ، خطاب التشاؤم والاحباط لايقود الى الاستنارة والفهم وبلورة اتجاهات سياسية عامة يكون سعيها ايجابيا لمصلحة الخروج من المأزق ،هكذا يرى اصحاب هذا الاتجاه ،فيما يصر اتجاه اخر ، على المضي في مشوار النقد والتسخيف والفضح واثارة الرأي العام ضد الطبقة السياسية ، والسلاح المستخدم هنا ، هو سلاح الاعلام والتواصل الاجتماعي ومنهجية الرفض ،وشعار المهاجمين والناقمين هو التعرية السياسية والفضائحية الممنهجة ، والفضاء الذي يتحرك فيه هؤلاء ، هو فضاء الحرية والحقوق الدستورية والاعتراض السلمي والتظاهر والاحتجاج ، مالم يبلغ تخوم العنف ، وجوهر خطاب هؤلاء يتمركز في المتابعة الدقيقة واليومية لكل السلوك السياسي في البلاد ،وهو سلوك معيب في نظرهم ، لان اكثره فاسد وانتفاعي وتوافقي ،همه مصلحة السياسيين لا مصلحة الجمهور ، وغرضه خدمة المصالح الخاصة على حساب مصالح البلاد والعباد .
يصحو العراقي على الكثير من الاحداث والاخبار والحراكات الاجتماعية والثقافية والفنية ،لكنه يتلقى الاخبار السلبية بشغف كبير ولايتفاعل مع الخبر الايجابي الا للحظة عابرة ،ثم يعود الى برمه وتحاصره مشكلاته اليومية فلا يرى املا ماثلا ولايسعى الى طموح كبير ،همه ان يتخلص مما يعاني من مشكلات فردية أو اجتماعية ولسان حاله هو شتيمة
الطبقة السياسية بأسرها ، وان كان حزبيا ، فجميع الاخرين متهمين عنده الا حزبه وزعيمه وقائده المفضل ، هكذا تسير يوميات الفرد العراقي ، وهو يتمثل ويكابد انواع المخاوف والاحباطات التي تساهم بها الالة السياسية والاعلامية في البلاد متجسدة بسلوك سياسي غالبه منفر ، وخطاب اعلامي اكثره مأزوم ، يزيد الاحباط ويراكم السوداوية ،بكل ما يترتب عليها من مشاعر كراهية وعدوان وعنف مكتوم .
الواقع العراقي لايتحمل الاستمرار في هذه الثنائية المحبطة ، فالانقسام في الرأي لم يعد تعددية طبيعية بقدر ماهو خلاف مزمن على كل شيء ،على الحكومة والوزارات والمناصب والقوانين والسياسات الامنية والدفاعية والمالية ، والتعارض مستمر في كل القضايا ،والجمهور يراقب وينشغل في كل ساعة ،
بأزمة جديدة وحدث طارئ يزيد بدوره
من حماسة النقاش والجدال ويعمق الانقسام والغضب الشعبي ،الذي يعود بدوره لتحميل اهل الحكم مسؤولية مايجري من اخفاق او تباطؤ أو ضعف في الانجاز .
ان احد اكبر المؤشرات على فاعلية السلطات والحكومات هو قدرتها على ادارة النقاش الوطني وتوجيهه الوجهة السليمة لمواجهة التحديات والخروج منها بأقل التكاليف واحسن النتائج ،وحيث يحتاج العراق الى اصلاح سياسي يقود الى فاعلية ادارية
تحسن من الاداء الحكومي العام وتعيد الامل الى الجمهور المحبط ،فان المناخ السياسي والفضاء العام ينبغي ان يشهد حراكا ايجابيا لمفكرين وعلماء واكاديميين وذوي رأي يسهمون في اطلاق موجة قوية تبدد حالة الركود والانسداد والدوران في ذات الحلقة المفرغة ،الاصلاح السياسي يحتاج الى فكر سياسي جديد ، ليس على مستوى التنظير في الكليات السياسية العامة والنظم ،فذاك مما انتجه
الفلاسفة والمفكرون غيرنا ،بل على مستوى اعادة طرح المشكل العراقي بمنهج تفكيك وتحليل النظام السياسي والثقافي والاجتماعي المترابط الذي
ظل ينتج الازمات ويراكمها من دون افق مفتوح ومعالجات مقبولة وطنيا وتحظى بالاجماع ،ستستمر الازمات السياسية والامنية والاجتماعية بل وكل اشكال الازمات ،مادام النظام العام يسير بلا هدي ولا اصلاح ، ولسان حال الجميع : لنعبر مشكلات اليوم وغدا يدبره المدبرون .