كيفَ سحرَ الهدافُ الذهبي المسلمُ انكلترا؟

الثلاثاء 09 تموز 2019 251

كيفَ سحرَ الهدافُ الذهبي المسلمُ انكلترا؟
كارلي ستيرن
ترجمة: بهاء سلمان
في الاسبوع الثاني من شهر أيار الماضي داخل ملعب الأنفيلد الخاص بنادي ليفربول، كان هناك نوع مختلف من "اصطحاب ابنتك الى مكان العمل اليوم". فمع ارتدائها لسروال جينز وقميص والدها الأحمر الداكن، قامت "مكة صلاح"، إبنة هداف ليفربول محمد صلاح الصغيرة، بدحرجة الكرة على عشب الملعب أمام أنظار 54 ألف مشجع، وأرسلت الكرة الى الشبكة وسط تصفيق مدوٍ من الجمهور ومن والدها المبتهج، الذي كان واقفاً بعيداً نسبياً عن الشبكة.
لقد كانت حقاً لحظة حميمة لعائلة عربية مسلمة متدينة سحرت المملكة المتحدة، بشكل غير مرجح. ويكفي القول إن لدى "مكة" قدرة على قراءة خواطر الجمهور، إذ قدّمت نفسها لجمهور ليفربول عندما كانوا بأمس الحاجة الى ابتسامة، فقد حل الفريق ثانيا خلف مانشستر ستي في بطولة الدوري الممتاز، الذي كان سيصير أول لقب لليفربول منذ فوزه به آخر مرة سنة 1990. ورغم إخفاقة الفريق، تم تكريم صلاح بثاني حذاء ذهبي له لتصدره ترتيب هدافي الدوري خلال الموسم، بمشاركة لاعبين آخرين.
وحاز صلاح، 26 عاماً، على اهتمام العالم لسرعته وبراعته الفائقة بتسجيل الأهداف لصالح ليفربول وفريق بلاده، مصر، حيث ولد. بدأ حياته المهنية سنة 2010 مع نادي "المقاولون العرب" ضمن الدوري المصري الممتاز، وغادره صوب نادي "بازل " السويسري بعد فترة قصيرة. وظفر الأخير بالدوري السويسري مع أول موسم لصلاح ضمن صفوفه، لتنهال الجوائز عليه منذ ذلك الوقت، وكان من بينها جائزة اللاعب الذهبي المقدمة من الاتحاد السويسري. وانضم الى نادي "تشيلسي" سنة 2014، لكن تم ركنه على المصطبة، ومن ثم، ذهب الى فيورنتينا الإيطالي، وبعده إلى روما. ولفتت سرعته وبراعة قدمه اليسرى انتباه ليفربول، لينتقل اليه مقابل عقد قياسي بالنسبة للنادي بلغت قيمته 56 مليون دولار.
 
صعوبة تغيير النظرة
غادر صلاح الى انكلترا، وسرعان ما أصبح جزءاً حيوياً للفريق، وحطم الرقم القياسي للتهديف في الدوري الممتاز بتسجيله 32 هدفاً في 36 مباراة لعبها بالدوري، وحل ثالثاً في تصويت الفيفا لأفضل لاعب عالمي لسنة 2018. وكسب اللاعب المصري قلوب المشجعين الذين دعموا الفريق برغم الإخفاقات الطويلة. وبينما من المحتمل أن يكون صلاح ليونيل ميسي الجديد في ميدان كرة القدم، عمل سحره على اكتسابه الكثير من المعجبين. يقول "ديفد كيرمان"، المدير التنفيذي لإحدى الوكالات الدولية، ومشجع قديم لنادي آرسنال: "إضافة لكونه أحد أكثر لاعبي كرة القدم موهبة في العالم، فهو شخص يثير الإعجاب بشكل هائل؛ وحتى مشجعي الفرق المنافسة من أمثالي، الذين عادة لا يحبون لاعبي الفرق الأخرى، يتحمسون له».
نشأ صلاح في قرية نجريج المصرية على ضفاف دلتا النيل. ومثل كل فتى يملؤه الطموح، بدأ طريقه كلاعب كرة قدم من اللعب في الحواري بـ"الكرة الشراب"، ويتذكر مشاهدته لدوري الأبطال الأوروبي من على شاشة التلفزيون، وحلم بمشاركته الفعلية بالميدان. سنة 2013، تزوج صلاح من ماغي، التي ترتدي الحجاب أمام الملأ، وولدت ابنتهما "مكة" سنة 2014. وبخلاف حضوره في الميدان، حظي هداف ليفربول بالإهتمام لكونه مسلماً ورعاً، يلعب لنادي كرة قدم غالبية مشجعيه من البيض؛ كما سمى ابنته على مدينة المسلمين المقدسة التي شهدت نزول القرآن الكريم، وهو يسجد شكرا لله كلما سجل هدفاً. وفي منابر التواصل الاجتماعي، يضع صلاح صوراً له وهو واقف أمام الكعبة المشرّفة والمسجد الحرام في مكة.
وأهدت السعودية مؤخراً قطعة أرض لصلاح في مكة المكرّمة لتمثيل الإسلام في المملكة المتحدة، وفي موطنه مصر، تبيع المحال التجارية فوانيس تحمل صورة صلاح للإحتفاء بشهر رمضان. أما في انكلترا، فالأمر أكثر تعقيداً، فرغم كونه وجهاً عاماً بشكل واسع، واجه صلاح نفسه سخريات تنم عن كراهية للإسلام، وتعد تقارير العنصرية الواصفة لهذه المواقف مألوفة، وأكثرها لفتا للانتباه رمي قشر موز على لاعب الارسنال الغابوني اوبوميانغ في شهر كانون الأول الماضي.
 
ازدياد الكراهية
الأكثر من ذلك، حفزت مسودة البريكست خطاب مناهضة الهجرة، لأنها تعمل على زيادة جرائم الكراهية في بريطانيا، وخلال الأسبوع الذي تلا حادث الاعتداء على مسجد جنوبي نيوزيلندا، ارتفعت نسبة جرائم الكراهية المرتكبة ضد مسلمي بريطانيا بنسبة 593 بالمئة، بحسب ما أوردته صحيفة الغارديان، كما تم استهداف المسلمين بأكثر من نصف جرائم الكراهية داخل انكلترا وويلز لسنتي 2017 و2018، بحسب بيانات حكومية.
وينظر الى صلاح واضحاً بشأن تديّنه، لكنه يبقى بشكل كبير بعيداً عن السياسة، كما أن تواضعه وروحه المرحة تعد من الميزات التي لا ترتبط عادة مع نجوم كرة القدم من ذوي الدخول المالية المرتفعة، بحسب كيرمان: "بينما تعد تقوى صلاح ظاهرة ومقدرة من قبل غالبية الناس، لا يمكنني بأمانة توقع أنها ستعمل على تغيير آراء المتعصبين المعادين لمسلمي انكلترا؛ فبالنسبة لغالبية الجمهور، فهو لاعب كروي مذهل وشخص رائع».
وأدرجت مجلة تايم الاميركية صلاح ضمن قائمة أكثر مئة شخصية مؤثرة لسنة 2019، مع تلميح للضغوط المسلطة عليه بسبب نظرة العامة اليه. غير انه، هكذا، أثبت كونه أكثر من مرتاح لتسليط الأضواء عليه، مستعرضاً طوال الوقت أهمية النظرة للعرب والمسلمين في فضاءات البيض التي لا تكون مرحبة بشكل تقليدي. وكما تقول كلمات جريئة لنشيد يردده بعض جمهور ليفربول: "اذا سجل بضع أهداف أخرى، سأصير مسلماً أيضا"، وكما أظهر يوم الأحد من استعراض أتى بأفضل وقت فالحال نفسها تنطبق على ابنة صلاح؛"مكة".
 
        
         مجلة أوزي الأميركية