النقد السينمائي لا يؤثر في الأفلام الطامحة للنجاح الجماهيري

الثلاثاء 09 تموز 2019 73

النقد السينمائي لا يؤثر في الأفلام الطامحة للنجاح الجماهيري
باريس/ صلاح سرميني
"النقد السينمائي، هو المساحة الوحيدة في صحيفةٍ حيث يمكن لأيّ شخص الكتابة عن أيّ شيءٍ بدون أيّ مهارة".
جان كوليه (روائي ومنظّر سينمائي، وأستاذ جامعيّ فرنسي).
***
منذ فترة قرأتُ في إحدى المنصات الإلكترونية الشخصية المهتمّة بالسينما مقالاً مُمتعاً، وطريفاً كتبه ناقد سينمائي فرنسي لا يحب التعريف بنفسه، يقول فيه:
 إن أيّ واحد يكتب عن السينما، ويعتقد بأنه ناقد سينمائي ذو شأن، ويستسهل الكتابة، ويحكي حكاية الفيلم في ثلثيّ المقال، وفي السطور الثلاثة الأخيرة، يكتب باستسهال إنشائيّ مدرسيّ كلماتٍ من نوع :
ـ كان التصوير رائعاً..
ـ برع المونتاج في الانتقال من لقطةٍ إلى أخرى، وضبط الإيقاع جيداً..
ـ الصوت بدون مشاكل، ومعبر جداً..
أتمنى من أحد الأصدقاء المُقرّبين له بأن ينصحه إما الذهاب إلى أقرب مدرسة سينمائية كي يُعيد تأهيله 
لمهني، أو البحث عن مهنةٍ أخرى يمكن أن يبرع فيها أكثر...
ويُكمل الناقد الفرنسي مقالته :
إذا لم يكن الناقد السينمائي يمتلك الوقت الكافي لكتابة أفكاره، وتحليلاته بحذر وعمق ويمتلك القدرة 
ايضاً على التفسير الفني :
ـ لماذا كان التصوير رائعاً ؟
(مع أنه في بعض الأحيان يمكن أن يكون التصوير غير رائع، ولكنه في خدمة البناء السينمائي للفيلم).
ـ وكيف برع المونتاج في الانتقال من لقطةٍ إلى أخرى ؟
(والمونتاج ليس مهمته فقط الانتقال ميكانيكياً من لقطةٍ إلى أخرى، حيث يمكن أن يتوّضح دور المونتاج 
في داخل اللقطة نفسها).
ـ وكيف كان الصوت بدون مشاكل، ومعبر جداً ؟....
(وهنا، علينا أن نتذكر شريط الصوت في أفلام "جان لوك جودار" الذي كان يتعمد إدخال المشاكل إليه)
يُكمل الناقد :
هذه ثرثرة إنشائية يمكن أن تنطبق على أيّ فيلم، وكتابة سريعة، ومتسرّعة كتبها الكاتب، وهو يجلس 
في محطة ينتظر قطار الضواحي.
إذا كان هذا الناقد لا يمتلك الوقت للكتابة المُتمهلة، فالأجدر به أن لا يكتب عن الفيلم، ويلخص لنا حكايته، حيث أن جدتي تفعل ذلك باقتدار، ولكن، من الأفضل أن يتناول مشهداً منه، أو حتى لقطة، ورُبما صورة واحدة فقط، أو.....يقتنع بأنه ليس كاتباً ولا ناقداً، ويترك هذه المهنة لأهل الاختصاص، والخبرة، ويكتفي بمشاهدة الأفلام، وانتظار قطار الضواحي في المحطة، أو يستعين بجدتي في كتاباته اللاحقة.
في فقرةٍ أخرى من مقال الناقد الفرنسي، يقول :
عندما يكتب ناقد عن فيلم روائي، وهذا يعني شخصيات وأحداث، ويصف الفيلم بأنه ينتمي إلى "السينما المُباشرة"، وهو هنا يستخدم توصيفاً في غير محله، عليه أن يقرأ عن "السينما المباشرة"، ويشاهد أفلام الفرنسي "جان روش"، أو يعود "مباشرةً" إلى أحضان زوجته وأولاه، وكلبه/او قطته...
والناقد الذي يُعيب على فيلم ما بأنه استخدم "الارتجال" في التمثيل، ويُشيد بفيلم آخر استخدم نفس التقنية "الارتجال"، يتوّجب عليه أن لا يكتب "ارتجالاً" عن أي فيلم.
وعندما نقرأ كتابة ناقد عن فيلم ما "يمسح به الأرض"، وفجأةً يتحفنا بعبارات من نوع :
"نجح المخرج في صياغة فيلمه من خلال مشاهد محدودة، ومختزلة"، فإنني أقترح على هذا الناقد أن "يختصر" مقالاته، و"يختزلها" إلى الحدّ الذي يكفيه القول أمام أفراد عائلته، وأصحابه :
ـ هذا الفيلم لم يعجبني، ...ويسهر معهم حتى الصباح، وهو يشرح لهم أسباب عدم إعجابه.
وهنا، سوف يصفق له الأصدقاء فخورين برأيه، وحتماً، سوف نصفق نحن أيضاً، لأننا سوف نرتاح من كتاباته. 
عندما نقرا انطباعات ناقد عن فيلم رديء، وسيئ (ونحن نعرف بأن الفيلم رديء وسيئ)، وفجأةً يكتب هذا الناقد بأنه تذكر "الواقعية الإيطالية"، أووه يا إلهي، هنا يتوجب علينا أن نرفع عليه قضية، ونتهمه بقدح، وذمّ "الواقعية الإيطالية"، وأيّ واقعية يمكن أن توجد على هذه الأرض.
وبعد أن يجعلنا الناقد نقرف حتى من ذكر عنوان فيلم ما "مسح به الأرض"، نجده يختتم مقالته بأن هذا الفيلم "يتراوح بين المشاهد الحية القريبة من الواقعية الجديدة، وبين السينما المباشرة التي تشبه الواقعية الاشتراكية"....
هنا، يجب أن نتحلى بالهدوء والصبروعدم التهور والاشتباك المباشر معه بواقعية اشتراكية جديدة، وأن نلتزم الصمت، ونكمل كؤوس البيرة التي سوف نطلبها بعد قليل من النادلة الجميلة، ولن نتمادى في النظر إلى نصف صدرها العاري كي لا تتهمنا بالتحرش الجنسي.
يكمل الناقد بطرافةٍ بديعة :
هذه الكتابة العشوائية تجعلك تنفر من الناقد نفسه (ومن النقد، وكلّ النقاد)، وتركض نحو أقرب صالة سينما كي تشاهد هذا الفيلم/التحفة الذي كتب عنه في أوقات الفراغ.
***
اعتقد بأنّ النقد لا يمتلك أيّ تأثير إيجابي أو سلبيّ في الأفلام التي لديها طموح الوصول إلى الجمهور الشعبي، ومع ذلك، من المُؤكد بأنّ بعض الأفلام تحتاج إلى اكتشافها والدفاع عنها، وإضاءتها من طرف النقد، وهي بدونه لن يشاهدها أحد. ".
المخرج الفرنسي "باتريس لوكونت" (لو نوفيل أوبسرفاتور، 1997).