التماسك.. نافذةٌ للتعايش والبناء المدني

الثلاثاء 09 تموز 2019 386

التماسك.. نافذةٌ للتعايش والبناء المدني
حسين رشيد 
تحرصُ المجتمعات التي عانت من ويلات الحروب والصراعات الأهلية على الاستفادة من كل مجالات الحياة وأحداثها والقطاعات التي يمكن من خلالها توجيه رسائل تحث على التعايش والتسامح والتماسك المجتمعي الذي يعد نافذة أولى لرسم ملامح مجتمع متعايش وفق رؤية مجتمعية أولاً، من ثم قوانين الدولة التي تكون مؤطرة بالمواطنة وحماية حقوق كل مكونات الوطن مادياً ومعنوياً، وأخذ الدروس والعبر من ويلات تلك الصراعات التي خلخلت المنظومة المجتمعية للبلد.
منذ عدة سنين رفعنا شعار المصالحة والتعايش السلمي بين المكونات، وفقه أقيمت عشرات الندوات والمؤتمرات وصدرت الكتب والكراسات التي تحث على ذلك، فضلاً عن مئات المقالات والدراسات والبحوث التي تنشر على أفق هذه الصفحة أو في صحف أخرى ومجلات دورية، وكل هذه جهود خيرية تحرص على ادامة وديمومة التعايش في البلد والتنوع المكوناتي الذي يعد من ميزات أرض الرافدين.
امتحانات البكالوريا لصف السادس الاعدادي والتي تمثل دخول مئات الآلاف من الشباب الى مرحلة جديدة تعليمية واجتماعية بل وفكرية ايضا من خلال تبادل الافكار والآراء بين طلبة الجامعات والمعاهد من شتى مدن البلاد، قبل ايام شرع آلاف من الطلاب بأداء الامتحانات في أجواء غير مريحة نفسياً وعلمياً وفنياً، من خلال نقص مستلزمات الراحة الماء الكهرباء والتكييف فهل يعقل أن يؤدي طالبٌ امتحاناً مصيرياً في درجة حرارة تصل الى 48 مئوية من دون توفر مياه شرب باردة أو تكييف حتى ولو كان مبردة هواء، فضلاً عن بعد المراكز الامتحانية عن بعض 
الطلبة.
هنا قد تتزحزح العلاقة بين الطالب من جهة والتعليم والوطن من جهة أخرى، كذلك تتخلخل في البناء والتماسك المجمتعي بين الطلبة وواضعي الاسئلة من الاساتذة او من سيقومون بمهمة التصحيح واعطاء الدرجات النهائية، لتبدأ بعد ذلك مرحلة إتمام أوراق التقديم الجامعي وهي مرحلة أخرى تحتاج لتبسيط الإجرءات لأجل إعطاء وإيصال صورة للطلبة ان الوطن بحاجة لهم في المستقبل كونهم يشكلون عينة للقادة والبناة. الشق الثاني من لم يحصل على درجات نجاح واكمل في درس أو اكثر ويسمح له الامتحان بدور ثان ما يعني ضرورة ازالة اي عقبات لم يكن بالمقدور إزالتها في الدور الاول والاستفادة مما حصل من ارباك وهفوات قد تتسبب بإرباك التماسك المجتمعي.
الجانب الآخر من الامتحانات وخصوصاً درسي اللغة العربية والتربية الإسلامية اللذين يمكن أن يكونا من أدوات التماسك المجتمعي والتعايش السلمي بين المكونات واحترام كل مكون لمعتقدات وموروثات المكونات الاخرى، اذ يجب الحرص ان يبتعد عن اي سؤال او فرع لسؤال فيه تجريح او طعن بهذا المكون وذاك، بل يجب ان يتم التأكيد على اهمية ترسيخ مبادئ التعايش في اسئلة اللغة العربية، اذ يمكن للاساتذة ممن يضعون تلك الاسئلة وحتما اغلبهم من ذوي الخبرة التعليمية والتجارب المجتمعية ان كان شاهداً عليها او قارئاً لها حسبما تتطلب مهمة وضع الاسئلة الوزارية ان يكون الاستاذ ملماً بالدرس واعياً لما يمر به البلد من متغيرات، فطناً لكل سؤال وفرع في 
الاسئلة.
أما درس التربية الاسلامية فبالامكان ان يكون مفتاحاً للتماسك المجمتعي والتعايش السلمي واختيار آليات صارمة توضع وفقها المواد التي تدرس آياتٍ وأحاديث وأحداثاً وشخصيات تاريخية بعيداً عن الخوض بأي تفصيل أو حدث قد يتسبب بخلخلة مجتمعية، لكن للأسف يبدو أنَّ ثمة إصراراً على ان يكون هذا الدرس محط انتقاد مستمر في المواد الدراسية واسئلة الامتحانات النهائية البكالوريا، إذ لم يأخذ بالحسبان أنَّ ثمة طلاباً من مكونات اخرى في القاعة الامتحانية نعم قد يكونون معفيين من الامتحان بهذا الدرس لكن ما سيكون موقفهم حين يرد سؤال قد تسيء لهم ولزملائهم من المسلمين الاجابة عليه واخذ درجة كاملة، كيف سيكون شكل ونوع تلك العلاقة بين الطلاب بمختلف أديانهم من جهة وبين طلبة الاديان الاخرى مع الدرس والتعليم والوطن.
وليس هذا فحسب فثمة اسئلة تثير التناحر والتمايز المجتمعي بين الاجناس عبر الاشارة الى قوة ومكانة الرجل قياساً بالمرأة وفق وجهة النظر الاحادية التي توضع بها الاسئلة او تقر المواد الدراسية، كذلك لا بد من رفض اي اشارة الى تمايز بين هذا الطرف وذاك، وجعل درس التربية الاسلامية اكثر شمولية وجامعاً لكل المكونات والاديان، كذلك درس اللغة العربية الذي لديه مساحة اكبر بالاختيار والمساهمة في التماسك المجتمعي والتعايش السلمي بين مكونات ارض الرافدين.