ضيوف الفضائيات!

الأربعاء 10 تموز 2019 171

ضيوف الفضائيات!
 جواد علي كسّار
 
تلجأ الفضائيات إلى أحدِ أسلوبين في العادة، لتغطية الأخبار والوقائع المهمّة في نشرة الأخبار، أحدهما تقرير المراسل الذي يأتي بعد الخبر، والآخر استضافة مسؤول أو ضيف له دراية أو معرفة بالواقعة أو الخبر؛ وقد تجمع بين الأسلوبين.
لما كان الخبر بحدّ نفسه ينقسم إلى جامد ومتحرّك؛ المفروض أن الأوّل لا يتخطى العشرين ثانية، ولا يزيد الثاني على خمسٍ وأربعين ثانية؛ فإن الوقت الذي يُمنح للضيف داخل النشرة، لا يكاد يتجاوز الثلاث دقائق إلا نادراً، ما يستدعي أن يكون الضيف على غاية قصوى من التركيز والاستنفار الذهني، والاقتصاد بالألفاظ وعدم هدر وقته بالفضول والحواشي، ولو على مستوى الثانية الواحدة!
يُنقل عن الرئيس الفرنسي الأسبق والخطيب المفوّه شارل ديغول (ت: 1970م) أنه قيل له: كم تحتاج من الوقت لكي تقدّم كلمة من خمس دقائق، فردّ: يومٌ بأكمله، ثمّ قيل له: ماذا لو كانت الكلمة من ربع ساعة، فأجاب: أحتاج إلى نصف يوم للتحضير؛ وإذا كانت نصف ساعة ذكر أنه يحتاج إلى ستّ ساعات للتحضير، وعندما قيل له: وإذا كان من المفروض أن الكلمة التي تلقيها هي ساعة كاملة، فكم تحتاج إلى التحضير، فأجاب: لا أحتاج إلى أيّ وقت، في إشارة إلى أن الساعة من الكلام تتضمن بحدّ ذاتها، فجوات وفراغات، تسمح بتقليب الكلام ذات اليمين وذات الشمال.
لا أتحدّث على طريقة الحكم القطعي المطلق، القائم على أساس يقينيات الاستقراء التام، بل من خلال تجربة شخصية في متابعة الفضائيات، من عناصرها أنه ليس لديّ قناة مفضلة على الإطلاق، بل هي برامج منتقاة من هذه القناة أو تلك، كما من عناصرها أيضاً متابعة أكبر عدد ممكن من الفضائيات العراقية وغير العراقية، لمعرفة موقفها، لكن بسرعة وعلى عجل، وفق معايير تخصّني تسمح لي بمسح أكبر عدد من الفضائيات، والتنقّل ما بينها على نحوٍ أسرع، منها معرفتي بالضيوف، وتقديري الخاص لمعارف الضيف ومعلوماته، وخبرته ومدى قربه وبعده من الحدث، وإمكاناته في الوصف والتحليل وإعادة التركيب، واتجاهاته وانتماءاته مع ما تمليه من انحيازات وهكذا.
من المؤسف أن أسجّل أن الحصيلة التي أخرج منها غالب الأحيان مخيّبة للآمال، فعلى صعيد تجربتي الشخصية، ومن خلال متابعة يومية لعشرات القنوات على طريقتي الخاصة تلك، وجدتُ أن أكثر بكثير من 90 % من هؤلاء الضيوف في نشرات الأخبار، لا يضيفون لنا شيئاً على مستوى الفكرة، أو المعلومة التي عرفناها من الخبر نفسه، بل جلّ ما يقوم به أفضلهم أداءً، هو تدوير المعلومات التي جاءت بالخبر نفسه، بما يملك من حذاقة لفظية، وقدرات كلامية ومهارات أسلوبية.
لذلك كان رسمي الذي التزم به ولا أزال، هو مقاطعة هؤلاء الضيوف، والاكتفاء بالأخبار نفسها، والاقتصار غالباً على المواجز. بشأن هذه الجيوش من الضيوف فهي لا تقدّم لنا شيئاً، سوى سرقة أوقاتنا الثمينة، وهدر أعمارنا بما لا ينفع، ولا يعود بفائدة علينا؛ يستوي عندي المحليين وغير المحليين، والعرب والأجانب، بل وجدتُ أن أسوأ المحللين في قضايانا وملفات منطقتنا، هم «الخاجات» والضيوف الأجانب، إذ يعيش أكثر من 90 % منهم غربة عن الملفات التي يتحدّث عنها، ويهرف بما لا يعرف، ويعاني انقطاعاً مفهومياً مع عقولنا وجهازنا الإدراكي، ومع ذلك لا تبخل عليهم الفضائيات بألقاب مجانية، كالمحلل، والخبير، والخبير الاستراتيجي، وكبير الباحثين في معهد كذا، وغيرها من الألقاب تُنثر لهم من دون حساب، إلا حساب الدونية وعقدة الإحساس بالنقص والحقارة!