تجربة!

الاثنين 15 تموز 2019 119

تجربة!
 جواد علي كسّار
بدأت القصة بتحدٍ وانتهت بتجربة نافعة. كانت البداية حينما تحدّى قريب لأحد أصدقائنا الباحثين، هو ابن أخته، أن يكتبا معاً مشاركة على وسائل التواصل، لكي يثبت ابن الأخت لخاله الباحث الرصين، جهله بالتكوين النفسي لجمهور التواصل، وأن ما يبذله من جهد في الإعداد والتحضير والتفكير، ثمّ في الكتابة والتدوين والنشر، لا يلبث أن يذهب سدىً، أمام مشاركات جمهور التواصل وتعليقاته.
كتبا معاً؛ فشارك صاحبنا على مألوف عادته بموضوع ثقافي اجتماعي أنفق جهداً في التحضير له، في حين جاءت مشاركة ابن الأخت الذكي العارف ببواطن الجمهور التواصلي، الخبير بمدخلاته؛ فكرةً بسيطة أثارها تحت عنوان، السؤال التالي: ما هو الفرق بين «البلايس» و«الجلابتين»؟!
نشر صديقنا الباحث في مجموعة خاصة نتائج المشاركات من تعليقات وإعجابات وملاحظات، وقد جاءت هذه النتائج لصالح ابن الأخت بأضعاف مضاعفة وبفارق كبير عن خاله، كما دلت على ذلك الأرقام التي نشرها الباحث بعد بدء التحدّي بساعات. الأهمّ من ذلك أن هذه الواقعة سرعان ما تحوّلت من تحدٍ خاص، إلى تجربة استحوذت على تعليقات المجموعة النخبوية الخاصة وتحليلاتها للظاهرة.
على صعيد التحليل قيل الكثير، ربما كان أبرزه يعود إلى التمييز بين وسطين للمتلقي، أحدهما عام تمثله وسائل التواصل، والآخر نخبوي، والخطاب واللغة والمادة تختلف بينهما. كما قيل في التعليل، إن المسألة الأهمّ التي تجعل المشاركات تتجه صوب التمييز بين آلتين شعبيتين، هما «البلايس» و«الجلابتين» أكثر من عنايتها بمشاركة ثقافية تحليلية، يعود أساساً إلى الخصائص النفسية للوسط المتلقي، هذا الوسط الذي تفاعل سريعاً مع حديث عن أداتين بسيطتين لا يكاد يخلو منهما بيت من بيوتنا، لأنه جمهور عملي يحمل حسّ المنفعة، وينحاز إلى ما يفهمه وينتفع به، أكثر من ميله إلى تنظيرٍ أو تشييدٍ معرفي، حتى وإن جاء بلغة ثقافية مفهومة وواضحة.
لا أخفي أن بعض تعليقات الأصحاب جاءت شامتة بأهل القلم، وقد راحت تستخفّ بثمار العقول وبالجهد المعرفي، وتبثّ بدهاء رسائل اليأس، وتشيع بمكر حالات الإحباط عند الكتّاب. لكن ما أراه، أن وسائل التواصل استطاعت أن تغزو مجتمعات المعرفة، وراحت تغري منتجي المعرفة بالنشر السريع، وتبشرهم بالتأثير الواسع، ما أدّى إلى اضطراب مقاييس الإنتاج الرصين.
بتقدير معيّن وضمن معايير معتدلة، نجد أن إنتاج بحث رصين لكي نشارك به في ندوة أو مجلة محكمة، يحتاج التحضير له وإنتاجه إلى ثلاثة 
أشهر. 
في حين يتطلب إعداد مقال صحفي رزين يُنشر على مدار صفحة واحدة، إلى أسبوع من التحضير والإعداد والمتابعة، بينما يتطلب العمود اليومي، يوماً من التحضير والاستعداد، والحضور الذهني، والقدرة على التحليل والتفكيك، ثمّ الربط والتركيب.
بيدَ أن ما صرنا نلاحظه، هو تآكل هذه المعايير وانحدارها في الوسط المعرفي، تحت ضغط خصائص النشر السريع على وسائل التواصل، والاهتمام بالمساحة والانتشار على حساب العمق والمحتوى!.