إصلاحات آبي أحمد أطلقت قوى خارجة عن السيطرة

الجمعة 19 تموز 2019 96

إصلاحات آبي أحمد أطلقت قوى خارجة عن السيطرة
نزار مانك
ترجمة: خالد قاسم
أشرف رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد على عملية فوضوية لإطلاق سراح آلاف السجناء، ومنهم عدة مسلحين قوميين إثنيين، وربما يعود هذا العفو عليه ليطارده. فقد وصف رفاق سلاح سابقين العميد المتقاعد "أسامينيو تسيغي"؛ الذي قتل أثناء محاولة الانقلاب الفاشلة الاخيرة؛ بالجندي العادي والإداري الضعيف.
قتلت قوات الحكومة أسامينيو بعد يومين على قيادته المزعومة لاغتيال ثلاثة مسؤولين كبار بولاية أمهرة الإثيوبية، وبينهم رئيس الولاية، وهي أحداث وصفها مكتب رئيس الوزراء بأنها جزء من "محاولة انقلاب منسقة".
امتلك أسامينيو تاريخاً طويلاً ضمن دوائر الجيش الاثيوبي وحركات التمرد، اذ كان متمرداً مع "الحركة الديمقراطية الشعبية" خلال صراعها الذي أسقط الحكم العسكري الماركسي سنة 1991 قبل مجيء النظام الحاكم الحالي. التقى أسامينيو أعضاء من حركة معارضة محظورة سنة 2009 في دبي، وشهد يوم 24 نيسان من العام نفسه اعتقال أجهزة المخابرات والأمن الإثيوبية 35 فرداً بتهمة مشاركتهم بمخطط انقلاب ضد حكومة رئيس الوزراء ميليس زيناوي. 
وكان معظم هؤلاء المعتقلين من الجيش أو الشرطة، وأسامينيو أحدهم إذ سجن قرابة عشر سنوات، وأطلق سراحه العام الماضي وذكر  إنه تعرض للتعذيب والحبس الانفرادي من بين عشرات آلاف السجناء المطلق سراحهم وفق خطة اصلاح سلمها المكتب السياسي الحاكم قبل عامين تقريباً.
تقاعد أسامينيو بشرف ونال حقوقه كاملة تحت حكم "آبي أحمد" بعد تسنمه السلطة مطلع نيسان من العام الماضي، وعينته ولاية أمهرة لاحقا مديراً لإدارتها ومكتبها الأمني. 
محاولة اطلاق سراح وإعادة دمج المتمردين السابقين ممن سعوا لإسقاط الحكومة المركزية رآها كثيرون محاولة اصلاحية جريئة، لكن أظهرت حادثة التمرد الأخيرة ان هذه السياسة أطلقت قوى لم يعد آبي قادراً على التحكم بها.
 
اجراءات عشوائية
ظهر صدى هذه الأحداث داخل الجيش الإثيوبي، إذ تعكس قوته البشرية البنية العرقية للتحالف الحاكم، وازدادت مشاركته بعملية حفظ السلام الداخلية وسط صراعات لا تعد ولا تحصى حولت البلاد خلال العام الماضي الى أكبر مصدر عالمي للمهجرين بسبب النزاعات.
عقد آبي انفتاحاً سياسياً فوضوياً، وتسبب بتولي الفروع العرقية الأربعة للجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الحاكمة عملية ضخمة من حيث إعادة هيكلة الأفراد وإعادة توصيفهم. وكان تعيين أسامينيو ضمن اللجنة المركزية لحزب أمهرة الديمقراطي في تشرين الأول 2018 جزءاً من ذلك التوجه.
اعتمد أسامينيو على متشددين داخل حركة قوات أمهرة الديمقراطية، وافقوا نهاية العام الماضي على الاندماج مع الحزب الديمقراطي بعد عودتهم من أرتيريا نتيجة اتفاق سلام تاريخي بين البلدين.
كانت نية آبي بنهاية العام 2018 عقد اتفاق اندماج بين الحزب الديمقراطي وآخر أكثر تطرفاً؛ هو الحركة الوطنية لأمهرة. وتكرر هذا التوجه بمسقط رأس آبي "أوروميا" عبر اندماج مخطط بين جبهة أورومو الديمقراطية المعارضة وحزب رئيس الوزراء "أورومو الديمقراطي".
امتص حزب أمهرة الديمقراطي الاتجاهات المخفية الموجودة عند القوميين المتطرفين في محاولة تجديد أوراق اعتماد المتضررة عبر استرضاء المتشددين قبيل انتخابات تنافسية مزمع أجراؤها العام 
المقبل.
أدى هذا الانتعاش العرقي القومي بولاية اتحادية الى إطلاق قوى قديمة ساعية لإحياء عالم من العائلات الحاكمة المتخاصمة وأمراء حرب محليين يمتلكون جيوشاً خاصة بهم يتنافسون على الهيمنة بناء على من يمتلك أسلحة أكثر ويسعون ايضاً لدمج ما يسمى أرض الأجداد بولاية أمهرة، وتشمل مطالبات توسعية بولايات أخرى وحتى 
ضمن السودان المجاورة.
تولى أسامينيو قبيل وفاته منصب القائد العام لقوات الشرطة الخاصة بولاية أمهرة، وهي شرطة وميليشيا محلية، لكنه لم يمتلك دوراً قيادياً داخل جيش البلاد. كانت تلك المليشيات تمارس دوراً حيوياً تاريخياً ضمن الأمن الداخلي الاثيوبي خلال عهد الأمراء بين القرنين 18 و19، فامتلك النبلاء مليشيات خاصة بهم داخل مجتمعاتهم المحلية للدفاع عن أرضهم وأمنهم بغياب السلطة المركزية المؤثرة.
ظهرت المليشيات أيضاً خلال "الارهاب الأحمر" للحكم العسكري، عندما أنشئت ما يسمى مليشيات شعبية من الفلاحين ومنحت سلطة العمل ضد ما سمي أفراد وجماعات معادية للثورة.
اختار حزب أمهرة الديمقراطي أسامينيو للجنته المركزية جزءاً من محور باتجاه دمج قوى المعارضة العائدة. رأى البعض قرار الحزب آنذاك بتتويج أسامينيو مديراً لإدارة الولاية ومكتبها الأمني وسيلة لامتصاص وتحييد المتشددين، لكنه انتهى بإشعال صراع سلطة شديد في قلب تفتيت التحالف الحاكم وهدد بقاء الفروع المحلية المكونة 
للتحالف.
 
خلافات عميقة
تبرز أشكال شديدة من العرقية القومية لدى عموم مناطق اثيوبيا، وهي بلاد تضم أكثر من 80 جماعة إثنية، مما يثير احتمالية خطيرة لتشظي شبيه بيوغسلافيا.
وتسهم العداوة المتبادلة بين الولايات بأزمة وطنية، مع تسابق لتعزيز قوات الأمن المحلية وسط تزايد عدم الثقة بالقوات المركزية، وهو وضع مشابه لعدم ثقة الكروات والسلوفينيين بالجيش الوطني اليوغسلافي تحت الهيمنة الصربية مطلع التسعينيات، وبناء قوات دفاع محلية خاصة
بهم.
مع بناء أسامينيو مليشيات وقوات خاصة ضمن ولاية أمهرة، قامت ولاية تيغراي المجاورة بالأمر نفسه. وقبل أسبوع من حادثة 22 حزيران ذكر ضابط من تيغراي (هارب حالياً وتطارده الحكومة المركزية) ان نحو ألف مقاتل متقاعد من ولايته يسعون لتشكيل إتحاد، "مصدر قلقنا هي الهوية، ولا نريد منهم ان يغشونا كما حدث في القرن التاسع عشر."
الأمر الذي أضاف الوقود للنار هو جولات ذات أساس عرقي من الترقيات العسكرية لموازنة الرتب المتوسطة والعليا للجيش الاتحادي منذ العام 2012 وتحت حكومة آبي أيضاً. نتيجة ذلك هو عدد مماثل من حالات التقاعد عرقية الطابع، ما ترك ضباطاً متقاعدين كثيرين مؤهلين وقادرين على تدريب المليشيات.
يشهد المناخ المرير للانفتاح السياسي الاثيوبي استخدام ضباط متقاعدين لتوفير التدريب العسكري لصالح مسلحين يمكن استغلالهم بسبب الفقر وتعرضهم للنفوذ السياسي، وبالتالي يكون المقصود بقوة الرد السريع تكملة وليس الحلول مكان الشرطة المحلية. 
وعلى عكس الشرطة المحلية، فأفراد المليشيات والضباط المتقاعدون يمكنهم الانضمام قانونياً الى الأحزاب السياسية ومنها الجماعات العرقية القومية المتشددة.
سعى أسامينيو لاستقلال أجهزة الأمن المحلية عن الهيكلة الحزبية لحزب أمهرة الديمقراطي، وأظهر مخاطر دمج السجناء المطلق سراحهم ذوي الخلفيات المتطرفة بالشرطة المحلية. وطارد أسامينيو جماعة "كيمانت" ذات التاريخ الطويل من الرغبة بالحكم الذاتي وتعرضها لعقوبات مليشيات أمهرة وقوات الأمن المحلية بسبب طابعها الصارم. وكانت إدارة أمهرة قد اقترحت في نيسان 2018 اقامة منطقة خاصة بكيمانت، وهو قرار أكثر سخاء من المتوقع وقابله استياء حاد من قوميي أمهرة،  حيث أرادوا منع أي إدارة ذاتية للكيمانت.
كررت كيمانت اتهامها لأسامينيو بتدبير أو على الأقل التغاضي عن تطهيرهم العرقي على أيدي قوات أمهرة غير النظامية أو مليشياتها المحلية. ودعا أسامينيو سكان أمهرة لتسليح أنفسهم وأخذ مصيرهم بأيديهم أثناء الضغط على الحكومة المحلية لاحتلال "وولكايت"، وهي ممر الى أرتيريا والسودان متنازع عليها مع ولاية تيغراي.
 
تخطيط مسبق
ذكر قائد شرطة ولاية أمهرة ان 190 مجنداً جديداً بقوات الأمن المحلية مشتبه بهم بالاشتراك في عمليات قتل 22 حزيران. 
وذكرت رواية متلفزة لناجين من ذلك المساء القاتل ان مسلحين يرتدون ملابس عسكرية غير مألوفة حاولوا وفشلوا بفتح الباب ومن ثم وجدوا نقطة دخول أخرى وواجهوا المسؤولين الثلاثة وأطلقوا النار عليهم أثناء محاولتهم الاختباء.
بعد ساعات من حادثة أمهرة، أطلق حارس شخصي النار على رئيس أركان الجيش الجنرال سياري ميكونين واللواء المتقاعد غيزاي أبيرا. وسواء عمل الحارس (العريف ميسافينت تيغابو) بناء على توجيهات أو بمفرده فيبقى ذلك لغزا، وتنطبق الحال نفسها على مدى وتماسك التخطيط العملياتي من جانب أسامينيو وشركائه المزعومين بعمليات القتل الأخرى باليوم نفسه.
ربما عمل أسامينيو من دون تخطيط حذر، ويذكر مطلعون  إنه قبل أيام من حادثة 22 حزيران وقعت اجراءات تقييم داخلية له ، مع وجود خطة لإعفائه من رئاسة ادارة ولاية أمهرة ومكتبها الأمني، ونشر حزب أمهرة الديمقراطي تسجيلاً صوتياً مزعوماً يوم 22 حزيران لأسامينيو يحدد "اجراءات اتخذت ضد قادة الحزب لأنهم نسفوا مطاليب الشعب."
ذكر مطلعون قبل أسابيع من الحادثة ان أسامينيو جنّد دفعة جديدة من ضباط أمهرة المتقاعدين ضمن الشرطة الخاصة المحلية، وهي قوة انتشار سريع أستخدمت عندما واجهت الشرطة قضايا تتعدى طاقتها وأستدعيت قبل القوات الاتحادية. وجرى تعطيل مقترح انشاء مكاتب فرعية دائمية للشرطة الخاصة الاتحادية منذ شباط بسبب مشاكل التفويضات المتضاربة والتنافس والسلطات القضائية المتداخلة والخلافات العميقة على الحقوق الدستورية للولايات.
مستفيداً من هذه المآزق، جنّد أسامينيو ضباطاً مسرحين داخل أمهرة لديهم علاقات مع مؤامرة انقلاب 2009 اضافة لبعض الضباط المجبرين على التقاعد بسبب إعادة الهيكلة العرقية للجيش الوطني. 
قد يسعى حزب أمهرة الديمقراطي في أعقاب الاغتيالات لإزالة التحالفات الفعلية أو المحتملة لأسامينيو من لجنته المركزية وفروعه وتحديد الأسلحة التي تداولها ومكانها، وما هو التدريب والتوجيه اللذان قدمهما الضباط المتقاعدون للمليشيات. 
وقد أعتقل أكثر من 250 شخصاً بلا تهمة، وهي ممارسة وعد آبي بالتخلص منها، بينهم بعض المشاركين بمؤامرة 2009 وزعماء معارضة أمهرة ومتمردون عائدون من أرتيريا اندمجوا بأجهزة أسامينيو الأمنية.
يتوجب على آبي والتحالف الحاكم القيام ببعض البحث عن الذات بشأن اطلاق سراح السجناء الشامل حيث برز أسامينيو منه، إذ أطلق سراحه خلال حالة طوارئ قيل ان هدفها حماية النظام الدستوري في لحظة دقيقة عندما قدّم رئيس الوزراء السابق هايلي مريام ديسالين استقالته وقبيل تعيين آبي خلفا له.
 
تحييد الجيش
تسبب العفو عن ضباط سابقين مثل أسامينيو وقانون العفو لحكومة آبي الذي برأ منشقين سابقين عن الجيش وضباطاً متهمين بخرق الانضباط العسكري، بإرسال إشارات متضاربة عن قوانين ونظم الجيش الوطني المتعلقة بعدم انخراطه في السياسة. 
بدأت التغييرات أثناء عهد هايلي مريام، وشهدت نهاية 2017 اجتماعاً مطولاً للمكتب السياسي الحاكم وانتهى بالاتفاق على برنامج اصلاحي مؤلف من 12 نقطة ركز على الانفتاح الديمقراطي ودمقرطة المؤسسات. 
واقترح هايلي مريام اطلاق سراح السجناء، وذكر ان "البعض رفض الفكرة، لكن ذلك لا يعني اتباعناً لهم. وافقت الأغلبية على المقترح، وهذه مسؤوليتي رئيساً للوزراء." 
أسامينيو ميت الآن، وعضو آخر مشارك بالعملية "تيفيرا مامو" معتقل بعد اطلاق سراحه في شباط 2018 خلال حكم هايلي مريام. 
إن التوتر الحاد الذي تواجهه أجهزة الأمن الوطنية والمحلية متجذر داخل صراعات قوى كثيرة انبثقت من قلب التحالف الحاكم خلال الانفتاح السياسي. ومنح اهتمام قليل لشخصيات مثل أسامينيو، سمح لها بالعمل انطلاقاً من سلطة متوسعة وسط تفكك هياكل الحزب وسيطرته. وتعد أحداث حزيران العنيفة جرس انذار بأن الانفتاح السياسي تزامناً مع انتخابات وتعداد سكان العام المقبل قد ينتهي بحمام دم.
لحسن الحظ لم تصل البلاد الى تلك النقطة بعد، اذ فشل أسامينيو رغم امتلاكه جمهوراً معيناً داخل ولاية أمهرة. واذا أراد مؤامرة أوسع للاستيلاء على السلطة المركزية فذلك لا معنى له، باستثناء الخداع والسذاجة. يتطلب نجاح انتزاع السلطة المحلية دعماً قوياً من أحد أجزاء الجيش المتواجد هناك، أي القيادة الغربية المكونة من تسع فرق. وقائد القيادة الغربية ليس من قومية أمهرة، لكنه من جنوب البلاد، وهي قوة يعاد هيكلتها تحت قيادة آبي، اذ قلل قيادات الجيش من ست الى أربع، ويقود كل منها جنرال لا ينتمي الى قومية المنطقة التي يتموقع 
داخلها.