المطرقة الاميركية والسندان الايراني

الأحد 21 تموز 2019 254

المطرقة الاميركية  والسندان الايراني
صالح الشيخ خلف
 
اصاب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عندما حذر من مغبة تصعيد التوتر في المنطقة ، كما اصابت وزارة الخارجية العراقية في تحذيرها من عواقب انهيار الاتفاق النووي ، في الوقت الذي راى مستشار الامن القومي العراقي فالح الفياض ان العراق قد لا يستطيع السيطرة على الاوضاع في حال نشوب نزاع مسلح بين ايران والولايات المتحدة .
ما يتحدث به المسؤولون العراقيون لم يات من فراغ بقدر ما هو يؤشر الى خطورة الاوضاع التي تمر بها المنطقة جراء الانسحاب الاميركي من الاتفاق النووي والضغوط التي تمارسها واشنطن على طهران ناهيك عن تداعيات هذه الخطوة على الامن والاستقرار ليس على مستوى المنطقة الخليجية وانما على السلام والامن العالميين .
التطورات المتسارعة التي حدثت الاسبوع الماضي على صعيد احتجاز ايران لناقلتة نفط بريطانيتين كانت احدى تداعيات تصاعد التوتر في المنطقة وهو مايرشح تصاعد حدة هذا التوتر اذا ما استمرت هذه التطورات في ظل صمت دولي واقليمي غير مبرر .
ان ابقاء حالة اللا حرب واللا سلم بين واشنطن وطهران يعني دخول البلدين في حرب باردة تقتصر على مناوشات واحتكاكات لا ترتقي الى حرب شاملة وهذا يعني ايضا ابقاء جميع الاحتمالات مفتوحة مما يجعل المنطقة تتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بتداعيات هذه الظروف وهي حالة لا يمكن لدول وشعوب المنطقة دفع ضريبتها لمدة طويلة لاسباب تتعلق بالازمات المزمنة التي تمر بها المنطقة .
احتجاز ايران لناقلتي النفط البريطانيتين الاسبوع الماضي الذي جاء على خلفية احتجاز البحرية البريطانية لناقلة النفط الايرانية في مضيق هرمز، وقبلها اسقاط الطائرة الاميركية المسيرة في مضيق هرمز، ومن قبلها حوادث تفجير الناقلات في بحر عمان امثلة صارخة على خطورة الاوضاع التي تشهدها المنطقة والتي لا يمكن التكهن بنتائجها .
هناك العديد من الدول الاقليمية والغربية قامت بمبادرات لخفض التوتر بين طهران وواشنطن كان اخرها المبادرة التي يقودها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والتي اتصل بموجبها هاتفيا يوم الخميس الماضي مع كل من الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والايراني حسن روحاني قبل ان يتصل يوم الجمعة بنظيره الاميركي دونالد ترامب من اجل تنضيج فكرة وقف التصعيد التي تستند إلى قاعدة « تجميد مقابل تجميد » لفسح المجال امام طاولة المفاوضات للتوصل الى ما قد يخدم مصالح جميع الاطراف المعنية بالملف الايراني .
التحرك الفرنسي ينطلق من نظرة اوروبية جوهرية للاتفاق النووي، حيث نظر الاوروبيون منذ البداية لهذا الاتفاق على انه اتفاق امني بامتياز. وان انهيار هذا الاتفاق يعني انهيار الوضع الامني في المنطقة وهو ما يعني تهديد المصالح الغربية ومنها الاوروبية للخطر . ولذلك بادرت الدول الاوروبية بالطلب من طهران البقاء في الاتفاق وعدم الانسحاب منه، مقابل التعهد بوضع الية مالية للتبادل التجاري وشراء النفط الايراني .
الايرانيون ادركوا ان الجانب الاوروبي لا « يمكن له » او « لايريد » او « لايستطيع » ان يعارض الولايات المتحدة. وعندما طلبت واشنطن عدم تفعيل الالية المالية الاوروبية مع طهران ، فانها في حقيقة الامر وضعت الاتحاد الاوروبي بين المطرقة الاميركية والسندان الايراني .
زيارة المستشار الدبلوماسي الرئاسي الفرنسي ايمانويل بون لطهران منتصف الشهر الجاري ارادت « جس النبض » الايراني بشان الموافقة على فتح المفاوضات مجددا بين طهران وواشنطن في اطار قاعدة « تجميد مقابل تجميد » بحيث تقوم الولايات المتحدة بـ « تجميد » العقوبات المفروضة على تصدير النفط الايراني على بعض الدول مثل الهند والصين واليابان وكوريا مقابل « تجميد » ايران لخطواتها الرامية للتصعيد في برنامجها النووي لافساح المجال لاجواء المفاوضات . واذا ماتحققت هذه المبادرة فان فرنسا ستوافق على الانضمام للتحالف الدولي التي تدعو اليه الولايات المتحدة لتامين السلامة البحرية في المياه الخليجية . باريس تعتقد ان انضمامها للتحالف الدولي يعني شكلا من اشكال اعلان الحرب على ايران في ظل التوتر القائم ، اما اذا تم تخفيض التوتر فان عملية الانضمام للتحالف تكون في ظروف اكثر هدوءاً ، وهو مايمكن العمل من خلاله لتعزيز الامن والاستقرار في المنطقة .
لم يتحدث الفرنسيون كثيرا عن خطتهم لانهم كما قالت مصادر مطلعة يريدون التحرك بعيدا عن الاضواء ويطبخون الطبخة على نار هادئة لشدة التعقيدات في المشهد ، ولعدم وجود انسجام كامل داخل الادارة الاميركية في الية التعاطي مع الملف الايراني .
وبالرغم من وجود ابهامات كثيرة في المبادرة الفرنسية سواء في الجانب الايراني او في الجانب الاميركي الا انها تؤشر الى عمق الازمة خصوصا دخول بريطانيا الى جانب الولايات المتحدة في الضغط على ايران.