مدنُ على أعتاب جبل إيفرست

الاثنين 22 تموز 2019 93

 مدنُ على أعتاب جبل إيفرست
فريدي ويلكنسون  
ترجمة: مي اسماعيل 
في كل عام تنبثق مدينة مؤقتة من الخيام عند أعتاب جبل إيفرست؛ أعلى جبال العالم. يسافر مئات من متسلقي الجبال الدوليين الى جبل إيفرست كل ربيع، أملاً بأن يتسلقوا بنجاح أعلى قمم العالم. لكن جل وقت أولئك المتسلقين لا ينقضي بالتسلق؛ وإنما بالاستراحة والتأقلم مع المحيط والاستعداد، في المخيمين الأساسيين تحت الجبل. يقع المخيم الأول على الجانب النيبالي من الجبل، والثاني عند الجهة المقابلة داخل حدود التيبت. الحياة في تلك المخيمات خليط غريب من مقتضيات الحركة اليومية الاعتيادية والتحديات اللوجستية والمقاربات العرضية الخاطفة لدراما الحياة والموت. 
انتعشت السياحة قرب المنطقة منذ بدء رحلات تسلق الجبال التجارية أوائل تسعينيات القرن الماضي؛ ما أدى الى نشوء مدينة خيام مزدحمة على ارتفاع 5334 متراً، عند قاعدة مجلدة خومبو  "Khumbu" في النيبال (مجلدة تعني: منطقة تراكم جليدي- المترجمة). وتحتوي تلك المدينة على مواقع لهبوط  مروحيات الإخلاء أو الانقاذ، ونقل المصابين الى كاتماندو (عاصمة النيبال). هناك أيضاً موقع "إيفرست لينك" لربط المتسلقين بباقي أرجاء العالم عبر الانترنت السريع. أما خيمة "إيفرست إي آر-Everest ER" فتقدم الخدمات الطبية الأساسية؛ فكلما ارتفع المتسلقون على السفوح، ازدادت المخاطر الصحية ومنها- الوذمات الرئوية أو الدماغية وانسدادات الأوعية الدموية. تستقر خدمات أدلاء التسلق إلى قمم الهملايا السبع عند خيمة كبيرة تعرف باسم "خيمة القبة الكبيرة-Big Dome Tent" في قلب المخيم؛ وتطل جوانبها الزجاجية على مناظر خلابة للجبال المحيطة.
 
قصة مخيمين
أسس سكان كاتماندو "معسكر لجنة ساغرماتا للسيطرة على التلوث" سنة 1991، كمنظمة غير حكومية لعمليات معالجة الفضلات الصلبة في المخيم وعلى امتداد مسارات التجوال. وهناك مهبط مروحيات آخر شمال المخيم؛ حيث أصبح النقل بالمروحيات عملاً يلقى رواجاً كبيراً تشهده النيبال بعدما يسير المتسلقون أسبوعاً كاملاً قبل الوصول إلى المخيم الرئيس. أما الراغبون (والقادرون) على دفع أجور النقل بالمروحية فيمكنهم استئجار واحدة لتقليل زمن التنقل بين القرى. 
هناك مساران أساسيان الى قمة إيفرست، ولكل واحد منهما مخيم أساس وطعم متفرد لتجربة العيش في الخيام. يكون الوصول أكثر تيسراً من المرتفع الشمالي (على جانب التيبت)؛ فمن الممكن قيادة السيارة حتى المخيم. تبدأ العديد من بعثات التسلق من العاصمة النيبالية؛ ليجري بعدها السير عبر الحدود الصينية وصولاً الى الجبل. أما المسار الجنوبي فيجري الوصول إليه من جهة النيبال، ويتطلب عادة السير لمدة أسبوع  للوصول الى أعتاب الجبل. لكن المروحيات أزاحت هنا أيضاً جانباً كبيراً من العزلة النسبية للموقع. وقد أقيم كلا المخيمين ضمن واديي مجلدتين كبيرتين؛ فإلى الشمال يوجد مخيم التيبت الأساسي فوق طرف موقع تجمع الركام الجليدي لمجلدة "رونغوك". أما مخيم النيبال الأساسي فيوجد فوق مجلدة "خومبو" المغطاة بالثلج. 
 
السكن عند حدود القدرة
أقيم المخيمان عند ارتفاع يقارب 5334 متراً لسبب جيد؛ فبعد تجاوز نقطة يتراوح بين 5486 متراً و5791 متراً يدخل الجسم البشري مرحلة التدهور التي لا تعود الحياة بعدها قابلة للاستمرار. وبصيغة آخرى يمكن القول بإنه لا أحد يرغب بالعيش على ارتفاع اكثر من ذلك! يقدم المخيم جيد التجهيز للمتسلقين قاعدة انطلاق مناسبة؛ يمكنهم الخروج منها عبر بعثات تسلق تستمر بين ثلاثة الى خمسة أيام للمرة الواحدة، ثم العودة لاستعادة بعض الراحة النسبية واستنشاق هواء أكثر كثافة. 
يكون للعديد من بعثات التسلق طبيبها الخاص المتنقل مع الفريق. وما عدا ذلك يمكن القول  إن الخدمات الطبية محدودة نوعاً ما على جانبي الجبل؛ ولو واجه أحدهم مشاكل صحية جدية فعليه الإسراع بمغادرة المخيم والهبوط الى ارتفاعات أقل لتلقي العلاج. فلدى مخيم مجلدة خومبو خدمات تقدمها مجموعة "إيفرست إي آر-Everest ER" الطبية الأساسية سيراً على الأقدام، ويجري إخلاء الحالات الصعبة بالطائرة المروحية الى كاتماندو بالسرعة الممكنة. أما مخيم مجلدة "رونغوك" فيكون موقع خيمة الرعاية الطبية الأولية فيه على بعد نحو أربع ساعات من القيادة بسيارة رباعية الدفع.
 
الطعام خلال تجربة التسلق
طبقا لمدونة "آلان آرنيت-Alan Arnette" الشعبية عن إيفرست؛ منحت وزارة السياحة النيبالية 375 موافقة تسلق ضمن موسم ربيع 2019، وهناك نحو 144 متسلقاً أجنبياً على الجانب الشمالي. لا يعتبر الحضور ببساطة الى المخيم (مع موافقة التسلق) ثم نصب خيمة ومحاولة تسلق الجبل أمراً قانونياً؛ فعلى جميع الأجانب التسلق بمعية شركة لوجستية مرخصة محلياً. وهذه الأخيرة تكون مسؤولة عن توفير الإقامة في المخيم والوجبات الغذائية وخدمات الحمام الأساسية. يضم المعسكر نحو ثلاثة أو أربعة عاملين محليين مقابل كل متسلق أجنبي؛ وهؤلاء إما أدلاء محترفون (شيربا "sherpas" من مواطني التبت) يعملون ضمن المخيم أو الجبل ذاته، أو مساعدين مثل- طباخين وغاسلي صحون وخدم ومدراء فرق، لرعاية المتسلقين. غالبية أفراد هذا الجيش الصغير من عمال الخدمة من النيبال (رغم أن الشيربا يأتون عادة من التيبت)؛ وهم بمثابة المحرك الذي يعمل على إدامة عمل المخيمات. 
قيل يوماً ، إن الجيش يتحرك ويقاتل على معدته؛ وهذا القول يصح في إيفرست. تستثمر البعثات كميات كبيرة من الجهد والموارد لتوفير أفضل الأطعمة لزبائنهم. وتسعى أغلب بعثات التسلق التجارية لتوفير ثلاث وجبات رصينة يومياً؛ تضم البروتين والكاربوهيدرات ونوعاً من الفواكه أو الخُضر. وتشكّل المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز والمعكرونة والبيض والفواكه والخضار المعلبة وأرغفة الخبز المسطحة (المعروفة محلياً بإسم "تشاباتي- chapati") عماد الوجبة الغذائية. لكن الطباخ الماهر كثيراً ما يجد طرقاً لجعل وجباته أكثر تنوعاً؛ ويجري الاعتماد على شحنات من الغذاء الطازج (المقبل على ظهور ثيران الياك، أو بالمروحية أو السيارة) للتنويع المفيد. وما بين الوجبات توجد الكثير من المشروبات الساخنة والفواكه المجففة وألواح الحلوى، وعلب رقائق البطاطا المقلية (الحاضرة في كل أنحاء العالم) من باب الوجبات الخفيفة. هناك ايضاً خيمة منفصلة تقدم الطعام النيبالي؛ الذي يكاد ينحصر بالشاي ويخنة الرز المسلوق والعدس (المسماة: دال بهات)، للعمال المحليين. 
 
مشاكل المدينة الكبيرة 
تعمل مخيمات البعثات الاستكشافية أو التسلق على مبدأ: المقبل أولا يحصل على الخدمة أولا. ويسعى بعض منظمي حملات التسلق الدهاة للحصول على إذن مبكر لاستئجار أفضل مواقع المدينة قبل أشهر من بدء الموسم المزدحم، عبر وكلاء محليين. وبوجود مئات الأشخاص المتخذين من الخيام سكناً على امتداد بضعة كيلومترات مربعة؛ قد يواجه منظمو تلك المخيمات مشاكل المخططيين الحضريين ذاتها لدى المدن الصغيرة.  
فبالنسبة لمخيم مجلدة خومبو بالنيبال تراقب "لجنة ساغرماتا للسيطرة على التلوث في المخيمات" معايير خدمات الصرف الصحي الأساسية للتأكد من دقة لإتباعها. ويؤدي موظفون صينيون الوظيفة ذاتها مع مخيم مجلدة "رونغوك". تقام خيام للمرافق الصحية من أجل جمع الفضلات في براميل بلاستيكية مبطنة بأكياس النفايات، ومن هناك تُنقل هذه الاكياس الى مناطق أوطأ للتخلص منها. ويجري جمع النفايات ونقلها بالطريقة نفسها. ورغم أن تلك الأساليب تضمن نظافة نسبية للمخيمات المعاصرة؛ فإن المشاة الذين يغادرون المسالك المطروقة قليلاً سيكتشفون غالبا أكواماً كبيرة من النفايات مثل بقايا من بعثات تسلق لأزمنة سابقة أقل استنارة! على الجانب النيبالي من الجبال تجري اليوم جهود لرفع تلك الأكوام تدريجياً. وبحلول هذا العام، وضمن جهود للحد من كميات النفايات والفضلات؛ جعل الصينيون الوصول الى مخيم التيبت لبعثات التسلق حصرياً، ومنعوا السياح من الدخول اليه.   
 
تحبه أم تكرهه؟
كما هو الحال مع جميع المدن؛ هناك "محلات سكنية" أفضل من غيرها.. بمعنى آخر يمكن القول ان ساكني خيام إيفرست لا يتمتعون بظروف الإقامة ذاتها. فما الذي يميز "الإقامة الراقية" لدى المعسكر عن الإقامة ضمن ميزانية محدودة؟ يوفر مجهزو المعدات الفاخرة اليوم خياماً تحوي قواطع وجدراناً وأسرّة، مجهزة بالكهرباء اللامحدود (بفضل المولدات العاملة بالبنزين)، والدوش الساخن، وخدمات قوية وموثوقة، وعروضا للأفلام بعد العشاء، إضافة الى أن هناك خيما خاصة لممارسة اليوغا والرياضة. لكن مثل هذا الترف لا يكون رخيصاً؛ إذ يتقاضى مجهزو الأجواء الفاخرة نحو مئة ألف دولار، بينما تكلف التجهيزات ضمن ميزانية متوسطة بين 25 الى 40 ألف دولار. لا يمكن للمرء توقع وجود أجواء احتفالية أو رقصات؛ فأغلب المتسلقين يميلون نسبياً الى العزلة والاستراحة.. على الأقل لكي يرتقوا قمة الجبل. 
ومع حلول نهاية الموسم يعود أغلب المتسلقين الى منازلهم بالسرعة الممكنة؛ لكن بالنسبة للمخيم تبقى هناك بضعة أسابيع من العمل لينجزها الموظفون، لتفكيك جميع التجهيزات ونقلها الى أسفل الوادي للخزن السليم. ويستأجر العديد من المجهزين أماكن للخزن في القرى القريبة؛ ليتجنبوا نقل المعدات خلال رحلات طويلة من والى
 كاتماندو.  
يعتبر البعض الاقامة في المخيمات نوعاً من اللجوء المؤقت، يضطر المرء خلاله لقضاء أربعة أو خمسة أسابيع تحت ظروف مزدحمة، مقابل فرصة تسلق جبل إيفرست. بينما يعتبره آخرون معسكراً صيفياً مثالياً؛ حيث المكان والصحبة لا تشبه شيئاً آخراً. وفي كلا الحالتين فإن المخيمات نقطة البدء لمن يرغب الوصول لأعلى مكان على سطح الأرض!
 
 
مجلة ناشيونال جيوغرافيك