لماذا مالك؟

الأربعاء 24 تموز 2019 185

لماذا مالك؟
 جواد علي كسّار
 

سألني أحد الأصدقاء مستفهماً لا مستنكراً، عن الأسباب من وراء تكرّر إشارتي إلى المفكر الحضاري الجزائري مالك بن نبي (1905ـ 1973م) فأوضحتُ لهذا الصديق الذي يقرأ مقالاتي متكرّماً، إن المسألة تعود إلى منظومة مالك الفكرية؛ وإلى أزمة واقعنا معاً.
أوضحتُ له بأني أمضي الليل والنهار أبحث  وأنقّب وأقرأ وأناقش وأسأل، وأعيد قراءة تجارب الآخرين، وأسترجع ما اكتنز في الذاكرة مما يمكن أن يسهم في تحريك الأوضاع، وإعادة بعث الأمل، وتوسيع رقعة التغيير، وتكثير الخير، والإفادة من تجارب الآخرين، مالك بن نبي أو غيره، من الشرق جاءت أو من الغرب، من العرب أو العجم، ومن المسلمين أو غيرهم، فالمهم أن تتكاتف الجهود، ويخرج الإنسان العراقي من محنته، والعراق من بلواه إن شاء الله.
على أن مالكاً من كتّاب الحضارة ومن دارسيها الكبار، تشهد له منظومته المبثوثة في كتبه، قرأه الشباب والمثقفون والمفكّرون والعلماء، في العراق وغير العراق. وحاز فكره على اهتمام نخبة كبيرة من الدارسين الذين كتبوا فيه البحوث وأصدروا عنه الكتب والأطاريح الجامعية ومئات المقالات والمتابعات. وفي أهمية فكره ربما كان مفيداً أن أذكّر ما سمعته من الصديق السعودي زكي الميلاد (رئيس تحرير مجلة: الكلمة) إذ حدّثني في مؤتمر جمعنا بطهران ربيع 2009، ان عمر مسقاوي المهتمّ بترجمة فكر مالك ونشره، سمع من السيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين كلاً على حدة، أن السيد محمد باقر الصدر أوصاهما ـ أيضاً كلاً على حدة ـ بقراءة كتب مالك وحثّهما على الإطلاع على فكره.
لكن تبقى ملاحظة أساسية كنت أردّدها على الدوام وما أزال مقتنعاً بها. فقد كتب مالك ما كتبه ونهض بمسؤوليته، لكن علينا أن لا نبالغ بإنجازه كما بإنجاز أيّ مفكّر آخر، وأن نبتعد عن زجّ أنفسنا بصناعة الأوثان الفكرية، ونعطي عقولنا الفسحة في النقد والمراجعة والتقويم. وربما كانت لحظة موائمة أن أذكر أن أوّل ما اطلعت عليه في نقد فكر مالك بن نبي ومنظومته في النهضة خاصة معادلته الحضارية، هو دراسة للكاتب العراقي علي القريشي. فما زلت أذكر تلك الكراسة البيضاء التي صدرت أواخر السبعينيات من القرن الماضي تناقش فكر مالك، وتنقض عليه بعض أفكاره وآرائه وما طلع به من نتائج، ثمّ قرأت بعد ذلك ما كتبه غازي التوبة من نقد لفكر مالك وهكذا بشأن بقيّة الدراسات الناقدة.
لكن تبقى مسألة أهم من هذه، هي فقر كتب مالك للمنطلقات الإسلامية والشواهد النصوصية من الكتاب والسنة. بالتأكيد لا يعود هذا الفقر إلى موقف سلبي لمالك، إنما إلى طبيعة البيئة التي عاش فيها، كذلك اللغة التي مثّلت له حاجزاً. فمصادر المعرفة الدينية بالعربية، ومالك أسهل له أن يكتب بالفرنسية كما حصل ذلك فعلاً، ثمّ تُرجمت كتبه للعربية، ما يدلّنا على صعوبة تعاطي مالك مع العربية، وهي صعوبة ربما حملت له مشقّة للتعاطي مع مصادر المعرفة الدينية المكتوبة بالعربية. ثمّ هناك عامل تشرّده من الجزائر، وغربته في باريس، وتوزّع جهوده بين النشاط الإصلاحي الاجتماعي السياسي وبين النشاط الفكري.