مسلمو سريلانكا يواجهون أعمال العنف والمقاطعة

الجمعة 26 تموز 2019 114

مسلمو سريلانكا يواجهون أعمال العنف والمقاطعة
جوانا سليتر
ترجمة: بهاء سلمان
كان فندق نيوفوز في بلدة مينووانغودا السريلانكية الصغيرة صاخباً للغاية، إذ يرتاد مطعمه الراغبون بتناول أطباق الدجاج والرز الساخنة المتاحة نهاراً وليلاً؛ لكنْ بعد اعتداءات عيد الفصح الإرهابية، توقف الزبائن عن التوافد الى الفندق ومطعمه.
بعد ذلك، زادت الأمور سوءاً، ففي أيار الماضي، قدم رجال يركبون دراجات نارية حاملين العصي، ووجوهم مغطاة بالخوذ، ليحطموا النوافذ الزجاجية للمطعم بينما كان البعض متجمهرين، ومن ثم اقتحموا المكان وحطموا كل شيء يقع بين أيديهم داخل المطعم. يقول "محمد اندهاس"، 52 عاماً، مالك الفندق، وكان يقف خارج المطعم المحطم: "لقد ولدنا هنا، وهذه البلدة هي مسقط رأسي.. الآن نحن لا ندري إنْ كان لدينا مستقبل في سريلانكا".
اندهاس من مسلمي سريلانكا، وهي الأقلية الدينية ضمن هذا البلد البوذي الهيمنة. وفي أعقاب هجمات نيسان المدمرة، المنفّذة من قبل أطراف إسلاموية متشددة، أعد المجتمع برمته نفسه طلباً للانتقام. الآن، حالات الانتقام تتحقق، ويواجه أصحاب الأعمال التجارية من المسلمين مقاطعة غير رسمية؛ واندلعت أعمال شغب ضد المسلمين في مقاطعتين منذ شهر أيار الماضي، محطمة مئات المحال التجارية والمنازل والمساجد، ومخلفة قتيلاً واحداً. واستقال تسعة وزراء مسلمين خلال شهر حزيران الماضي، ويعود أحد الأسباب لخشيتهم من ارتفاع وتيرة العنف إنْ لم يفعلوا ذلك.
ويساور الخبراء القلق من تعرّض سريلانكا، بلد الديمقراطية المتعدد الاثنيات والأديان الذي انتهت حربه الأهلية سنة 2009، لموجة جديدة من التوترات، والخلافات تظهر هذه المرة عبر الاصطفافات الدينية، بدلاً من الانقسامات طويلة الأمد بين طائفتي السنهاليين والتاميل. وحتى قبل هجمات عيد الفصح، واجه المسلمون، الذين يؤلفون نسبة عشرة بالمئة من أعداد السكان، خطاباً تمييزياً وأعمال عنف متقطعة، خصوصاً مع ارتفاع سطوة المجاميع البوذية المتشددة بعد نهاية الحرب الأهلية.
 
تحريض على المقاطعة
لكنَّ الأجواء الحالية تشير الى تحوّل محفوف بالمخاطر، فخلال حزيران الماضي، دعا أحد الرهبان البارزين الى مقاطعة المصالح التجارية المملوكة من قبل المسلمين، وبدا متغاضياً عن إثارة العنف، وقال: "لا تذهبوا لمحالهم التجارية وتأكلوا طعامهم، إذ ينبغي على البوذيين حماية أنفسهم". من جانبه، رد وزير المالية "مانغالا ساماراويرا" على هذه العبارات، قائلاً: إنها بمثابة انحراف عن خط الإيمان: "البوذي الحقيقي يجب أنْ يعمل على توحيد صفوف البلاد ضد التفرقة الدينيَّة، ويندمج مع فلسفتنا الرائعة للسلام والحب لكل الكائنات".
بعد هجمات نيسان، التي خلّفت أكثر من 260 قتيلاً، كثرت نظريات المؤامرة؛ فقد اتهمت صحيفة قومية بوذية طبيبة نسائية مسلمة مؤخراً بإجراء العقم لآلاف النساء السنهاليات البوذيات بخلاف إرادتهن، لتهيمن هذه المزاعم غير المؤكدة على التغطية الإعلامية لأسابيع. ويقول بعض المراقبين إنَّ الحملة المناهضة للمسلمين تخدم هدفاً سياسياً: استقطاب جمهور الناخبين تمهيداً للانتخابات الرئاسية القادمة خلال وقت لاحق من هذه السنة. و"تريد أحزاب المعارضة الإبقاء على هذا الغليان"، كما يقول "رؤوف حكيم"، زعيم المجلس الإسلامي السريلانكي، الحزب السياسي المتحالف مع الائتلاف الحاكم حاليا.
وكان حكيم واحداً من تسعة وزراء مسلمين قدموا استقالاتهم خلال حزيران الماضي؛ وأشار الى أنَّ قرار حزبه بالانسحاب كان رداً على "افتراضات بوجود صلات بالارهاب سيطرت على المجتمع بأسره". وكانت صبيحة يوم 13 أيار الماضي قد شهدت حركة مجاميع من رجال يتحركون على دراجات نارية وسط بلدات تقع شمال العاصمة كولومبو؛ ولم تفعل الشرطة الشيء الكثير لإيقاف استهدافهم لمصالح المسلمين التجارية ومنازلهم، بحسب شهود عيان، إما خوفاً أو تواطؤاً أو لقلة العدد والعدة؛ وامتنع المتحدث باسم الشرطة من إصدار بيان للتعليق على هذه الحوادث.
 
هجوم مدبّر
وحصل في منطقة مينووانغودا، التي يسكنها 177 ألف نسمة، ثلاثة بالمئة منهم مسلمون، أنْ أتى المشاغبون منظمين. فبعد مهاجمتهم لفندق نيوفوز، ذهبوا لمسافة خمسة أميال حيث أكملت عائلة "علي جسثي" مصنعاً جديداً للمعكرونة، وهو الأكبر من نوعه على مستوى البلاد. وحطّم مشاغبون قارب عددهم المئتي فرد أبواب الالمنيوم المؤدية للمبنى، ليضرموا النار بإطارات بمجرد دخولهم الى هناك، بحسب جسثي (23 عاما). ولم تحرّك الشرطة ولا مكافحة الحرائق ساكناً، لكنْ بعد ساعتين من اشتعال النيران، أتت قوات الجيش، غير أنَّ المبنى والمعدات كانت قد تضررت كثيراً، وبلغت الخسائر نحو أربعة ملايين دولار، بحسب تقدير جسثي، الذي علّق قائلاً: "بكل بساطة، بسبب معتقدك الديني تتم مهاجمتك، وهذا أمر لم أعهده من قبل بتاتاً".
وفي مركز الشرطة، احتجز سبعين رجلاً بسبب أعمال الشغب، وتم إطلاق سراح الجميع تقريباً بكفالة، ولم تتضح أسباب مهاجمة هذه البلدة بالذات، وكيف تم التخطيط لأعمال العنف فيها. وإجمالاً، تم تحطيم 76 محلاً تجارياً ومنزلاً، إضافة لمسجد واحد. ووصف ساكنو بلدات أخرى تقع الى الشمال ظاهرة مماثلة حصلت تلك الليلة: رجال وصلوا على متن دراجات نارية بهدف الاعتداء والتدمير؛ ليقتحموا منزل نجار اسمه أمير، وأصابوه بجرح غائر في عنقه، ومات لاحقاً. وأشارت زوجة النجار الى عدم تحرّك الشرطة لنقل زوجها الى المستشفى بينما كان ينزف بغزارة.
وبالعودة الى مينووانغودا، قال اندهاس إنه يتطلع لإعادة افتتاح فندقه للزبائن خلال وقت قريب، وينوي استغلال الإصلاحات المكلفة مادياً لإجراء تطوير للمبنى؛ كما ينوي عمل تغيير مهم للغاية، إذ سيزيل علامة "حلال"، المكتوبة بحروف من أضواء نيون كبيرة على جانب المطعم، لأنها "باتت تسبب المشاكل، ولن يقدم أبناء الطائفة السنهالية على تناول الطعام إذا شاهدوا تلك العبارة!".
صحيفة واشنطن بوست الأميركية