أيُّ أميركا؟

السبت 27 تموز 2019 142

أيُّ أميركا؟
نصير فليح
لعل المجتمع الاميركي يشهد حاليا أعمق انشقاق سياسي واجتماعي واخلاقي منذ عقود. ترامب نفسه لم يحصل على اكثرية الاصوات مقابل هيلاري كلنتون في الانتخابات السابقة، لكن نظام الانتخاب الاميركي الذي يعطي كل اصوات ولاية معينة الى الحاصل على الاكثرية فيها ساعده على تجاوز كلنتون في 
اللحظات الاخيرة. وما حدث في الاعوام الماضية واضح لكل من تابع الاحداث، والازمة بين انصار ترامب ومناهضيه ابتدأت بمواجهات في الشارع في الاسابيع الاولى بعد فوزه. اما ما حدث على المستوى السياسي، من مواقف وتغريدات وشد وجذب، فهو يعكس هذه التوترات المستمرة الى يومنا، ومن أبرزها ما صرحت به رئيسة الكونغرس عن الحزب الديمقراطي نانسي بيلوسي من انها لا تريد عزل ترامب فقط، بل تريد رؤيته في السجن.
ففضلا عن مواضيع الازمة في السياسة الخارجية، مثل امكانية شن حرب من قبل الرئيس ضد ايران من دون العودة الى الكونغرس، وموضوع اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، التي شهدت مؤخرا اصطفافا قويا ضد الرئيس، فان شؤون المشهد الداخلي شهدت تصاعداتها ايضا. فالتصريحات الاخيرة للرئيس الاميركي اثارت الجدالات مجددا حول موضوع العنصرية، وهو موضوع برز الى السطح بقوة بعد توليه الرئاسة. فتصريحاته بشأن النائبات من اصول غير اميركية في الكونغرس اعتبرت تصريحات عنصرية، وقد صادق مجلس النواب الاميركي على ادانة «التصريحات العنصرية» للرئيس الاميركي بغالبية 240 صوتا مقابل
 187 صوتا. وهو ما يؤكده انضمام اعضاء عديدين من الحزب الجمهوري نفسه الذي ينتمي اليه ترامب الى مناهضة الرئيس. وقد علق السناتور من الحزب الجمهوري (ميت رومني) على هذه التصريحات قائلا: «إن تعليقات الرئيس مدمرة ومهينة وهي تحطم الوحدة في البلاد» مضيفا أنه»يمكن أن تختلف مواقف الناس من السياسة، لكن دعوة المواطنين الأميركيين إلى العودة للدول التي أتوا منها تتجاوز كل الحدود الممكنة». وكذلك الحال مع نائبة رئيس كتلة الجمهوريين في مجلس الشيوخ (جودي ايرنست) التي عبرت عن اعتقادها بعنصرية هذه التصريحات. وهو ما يشير الى شعور متزايد لدى الجمهوريين بان سياسة الرئيس الاميركي الحالي تضرهم على المستوى العام، وتقلل حظوظهم في اي انتخابات 
مقبلة. لكن هذه الاختلافات لا تعني ان هناك طرفا «مثاليا» واخر معاكسا له. فسواء جاء الديمقراطيون او الجمهوريون الى السلطة، فان ما ينطبق على السياسة العالمية ينطبق على الولايات المتحدة، وهو شعار «المصالح أولاً»، ولكن يظل هناك فرق بين الرؤى لهذه المصالح، وحدود انسجامها او تنافرها مع المبادئ او القيم الاخلاقية والانسانية المعلنة، ودرجة المرونة او التشدد فيها.
ان تحولا ولو نسبيا في السياسة الاميركية سينعكس بقوة على مختلف انحاء العالم بما في ذلك منطقتنا وبلادنا. وفي الانتخابات المقبلة سيكون هناك مرشحان بالطبع، وستكون الانتخابات على هذين المرشحين بعد تصفيات المراحل الأولية، ولكن في الحقيقة ان التصويت سيكون على «أيُّ أميركا» سيختارها
 الناخبون.