مملكة كوش النوبية.. القوة والذهب

الاثنين 29 تموز 2019 248

مملكة كوش النوبية.. القوة والذهب
نوريا كاستيلانو
ترجمة: شيماء ميران
تعد مدينة موري الثرية الواقعة على نهر النيل التي تزينها الاهرامات العالية والدقيقة موقع الحضارة القوية لمملكة كوش المُنافِسة للحضارة المصرية، حيث ترتفع اليوم عالياً اعداداً كبيرة من الاهرامات في دولة السودان المعاصرة لتحدد موقع مدينة موري القديمة التي ادرجتها منظمة اليونسكو ضمن المواقع التراثية العالمية. كانت مدينة موري مركزاً حضارياً قوياً فهي بمثابة العاصمة للمملكة الكوشية التي ازدهرت ثقافتها القوية لعدة قرون، وتركت هندستها المعمارية الرائعة وأعمالها الفنية شاهداً شاخصاً على عظمة الملوك والملكات النوبيين.
تقع هذه المدينة في الصحراء الرملية بالقرب من نهر النيل في دولة السودان المعاصرة، ولعبت الثقافة النوبية القديمة دوراً حاسماً بتشكيل مصر منذ القرن الثامن قبل الميلاد، وكانت بمثابة السلالة الخامسة والعشرين الحاكمة للمملكة خلال المرحلة الاخيرة، فبعد ان فقد الفراعنة النوبيون قوتهم تراجعوا الى الجنوب لتشكيل مملكة كوش التي ازدهرت بعزلتها الرائعة، بينما كانت بقية مصر تعاني من غزوات الآشوريين والفرس واليونانيين المتكررة.
وكان بُعد المسافة لمدينة موري سبباً لتمكن الكوشيين من الحفاظ على استقلالهم وتطوير حضارتهم النابضة بالحياة والوليدة من الديانة والثقافة المصرية حتى القرن الرابع الميلادي. وبالوصول الى المناجم والمعادن وما يمتلكه سكان مدينة موري من خبرة في اعمال الذهب تمكنوا من بناء المعابد والقصور والحمامات الملكية لعاصمتهم. وربما كان من اعظم انجازاتهم بناء اكثر من 200 هرم في مقبرة كبيرة داخل مدينة موري، لتملك السودان بذلك اهرامات اكثر ما تملكه مصر. هذه الآثار العالية الدقيقة الجميلة هي الشاهد على ما كانت عليه مملكة كوش من روعة دائمة.
 
السلالة الخامسة والعشرون
قبل حلول نهاية القرن العشرين قضى عالم الآثار السويسري شارل بونيه عقوداً من الزمن بعمليات التنقيب في الاراضي الجنوبية المحيطة بنهر النيل، ووجد ادلة على ازدهار حضارة غنية بالتجارة ووفرة الحقول والماشية، اختلفت عن مصر من حيث امتلاكها ثقافة مادية وتقاليد خاصة بها. نمت هذه الحضارة عندما ضعفت المملكة المصرية الوسطى نحو عام 1785 قبل الميلاد، لتمتد الامبراطورية النوبية بحلول العام 1500 قبل الميلاد من وادي حلفا جنوبا الى مدينة موري.
وبالارتكاز على مدينة نبتة؛ عاصمتها الاصلية، واصلت السلالة النوبية الحاكمة ازدهارها العسكري والاقتصادي خلال القرن التاسع قبل الميلاد. وفي عام 780 تقريباً نجح الملك النوبي بعانخي أو بيا في غزو مصر واحتلالها، وبهذا وسّع من حكمه ليشمل جميع وادي النيل.  واصبح "بعانخي" اول فرعون للأسرة الخامسة والعشرين في مصر حوالي سنة 656 – 770قبل الميلاد واطلق على الاسرة فيما بعد اسم الفراعنة السود.
توفي الملك بعانخي عام 715 قبل الميلاد بعد ان دام حكمه 35 سنة، ورغم عودته الى النوبة بعد احتلاله مصر الا انه كان يتمنى ان يدفن على الطريقة المصرية وطلب ذلك من رعاياه، وبالفعل دُفن في هرم ليكون اول فرعون على مدى اكثر من 500 سنة يتم دفنه بهذه الطريقة.
واستمر حكم السلالة الخامسة والعشرين لثلاثة ارباع القرن، وانتهى بفوضى واضطراب عندما غزا الآشوريون مصر وتسبب ذلك بسقوط حكمها. وحذف المنتصرون اسماء هذه السلالة من الآثار لجميع انحاء مصر، وحطموا تماثيلهم ولوحاتهم ليمحوا اسماءهم من التاريخ.
تراجع النوبيون الى مدينة نبتة بعد الهزيمة وأرغموا على الابتعاد جنوبا، الى المكان الذي كانوا فيه بداية القرن السادس قبل الميلاد، حين فصل الفرعون بسماتيك، الثاني الذي كان احد افراد  السلالة السادسة والعشرين، مدينة نبتة. وعيّن الكوشيون مدينة موري التي تقع في اقصى الجنوب على طول نهر النيل لتكون عاصمة جديدة لهم، ودُرس هذا الموقع الجديد بعناية، ليس فقط لموقعه الستراتيجي الواقع على مفترق الطرق التجارية داخل افريقيا ومسارات القوافل من البحر الاحمر، بل لان الاراضي المحيطة بمدينة موري تمتاز بخصوبتها ووفرة الموارد الطبيعية المهمة كمناجم الحديد والذهب التي عززت تطوير الصناعة المعدنية خصوصاً اعمال الذهب.
 
المقابر الملكيَّة
تأثرت ثقافة الدفن عند الكوشيين بالجمع بين الممارسات الدينية والثقافية لمصر وافريقيا، فاستمر الملوك الكوشيون بالدفن في مقابر كبيرة ضمن مدينة نوري بالقرب من نبتة حتى بعد الانتقال الى الجنوب، وكانت مركزاً لعبادة الإله المصري آمون. 
فيما بعد اصبحت مدينة موري عام 250 قبل الميلاد المقبرة المفضلة، وكانت هناك منطقتان رئيستان للدفن، هما المقبرة الجنوبية وأرض الدفن الشمالية. وتعتبر الجنوبية هي الاقدم فبعد امتلائها انتقلوا الى ارض الدفن الشمالية التي تضم اليوم افضل الاهرامات المحفوظة في مدينة موري. وبعض المقابر الجذابة ما هي الا اماكن يرقد فيها ثلاثون ملكاً وثمان ملكات وثلاثة امراء.
كانت اهرامات مدينة موري السابقة مدرجة، وتصور الباحثون بانها ربما كانت ذات يوم تعلوها اسطوانات او اجسام كروية مصنوعة من مواد تم تدميرها في ذلك الوقت او انهارت. اما الهياكل اللاحقة في القرن الثالث الميلادي فقد تم بناؤها بشكل ابسط وأملس وحاد الجانبين. وعلى الرغم من التأثير الواضح للتصميم المصري الكلاسيكي، إلا ان اهرامات مدينة موري كانت اصغر حجماً وتفتقر للتكوين الهرمي برأس مدبب. أما تصاميمها فتشابه الى حد بعيد كنيسة الاهرامات التي بنيت في دير المدينة بالقرب من الأُقصر، فقد بُنيت خلال فترة المملكة المصرية الحديثة (1539-1075) قبل الميلاد، وهي الفترة التي بدأت العديد من التقاليد المصرية بالظهور بين صفحات الثقافة الكوشية.
وكان يتم وضع الاحجار في مكانها باستخدام الشادوف، وهو آلة رافعة تستخدم لرفع الكتل الحجرية، وبالنسبة للسطح الخارجي للهرم فيغلف بالطابوق ومن ثم يغطى بطلاء مصقول من الجص.
أما المدرجات فكانت منحوتة من الصخر على الجانب الشرقي لكل هرم وتقود الى الاسفل وصولا الى مدخل مغلق، تقع خلفه غرف تحت الارض بسقوف مقببة بحيث تخصص ثلاث قبب للملك واثنتان للملكة. داخل الاهرامات الاقدم كانت تزين غرفة الدفن بمشاهد مأخوذة من كتاب الموتى المصري (مجموعة نصوص جنائزية كانت تستخدم في مصر القديمة). ويتم وضع التابوت الخشبي الذي يحمل رسم لوجه المتوفى داخل غرفة الدفن، وتوضع بالقرب منه اجساد القرابين من الحيوانات وأحيانا توضع اجساد خدم المتوفى.
وارتبطت بأحد جوانب الهرم الموري النموذجي وجود كنيسة صغيرة يقوم مدخلها على زوج من الابراج المستدقة، وكان من الشائع وضع لوحات ومنضدة لتقديم القرابين وعنصر مميز من الثقافة المورية داخلها، كأن يكون تمثال (با) المُجسِد لهيئة روح الانسان بجسم طير ورأس انسان اعتقاداً بانه يعطي المتوفين تفردهم.
 
بقاء كوش
ازدهرت مملكة كوش لعدة قرون لكن موت الملكة كليوباترا عام 30 قبل الميلاد جلب معه التغييرات. فبعد ان اصبحت مصر احد اقاليم الامبراطورية الرومانية، أُنهكت الهدنة الضعيفة التي توسط فيها الكوشيون مع روما، وقادت الثورات في مصر العليا الى غزوات رومانية الى الاراضي الكوشية، ما يهدد مناجم الذهب المربحة التي كانوا يمتلكونها. وهاجم الموريون القوات الرومانية عند مدينة اسوان الواقعة اقصى الحدود الجنوبية للدولة الرومانية بقيادة ملكة مدينة موري اماني ريناس، التي وصفها العالم اليوناني سترابو عبر كتابه العظيم "الجغرافيا" بأنها ملكة كنداكة (وهي الزوجة الملكية الاولى في حضارة كوش)، "وهي امرأة مسترجلة كانت قد فقدت احدى عينيها"، وتراجعت تلك القائد البارزة اخيراً الى مدينة موري، لكن منذ ذلك الحين تُركت الحضارة المورية لتستمر بسلام الى حد كبير.
كانت مدينة موري مهملة طيلة القرن الرابع الميلادي، وانتشرت الإشاعات عن آثارها وما تحويه من ذهب على مر القرون، الى ان وصل الايطالي جوزيبي فريليني سارق القبور الى مدينة موري عام 1834 ميلادي وأقدم على سلب القبور. وما زالت الاضرار التي تسبب بها جوزيبي تُرثى من قبل علماء الآثار، لكن البعض انبهر بالمصنوعات التي جلبها معه وفتح أعين الباحثين الاوروبيين على هذه الثقافة الغامضة التي انغمست بالتقاليد القديمة للفراعنة المصريين.
 
عن موقع ناشينال جيوغرافيك