عصر (التكتك)

الثلاثاء 30 تموز 2019 243

عصر (التكتك)
نجم الشيخ داغر
كما هو معروف ان العالم الآن يسير بخطى تطورية تكاد تسابق الزمن في مختلف الاصعدة والمجالات، حتى باتت الكرة الارضية لا تسع الافكار التي تتلاطم في ادمغة المفكرين والمخترعين، فحولوا انظارهم الى التفكير جدياً باستعمار 
الفضاء.
لم تحدث هذه الطفرة العلمية والفكرية من لا شيء، بل سبقتها محطات أو ما تسمى بالعصور التي اخذت اسمها من الحراك الفكري او الصناعي أو العلمي للانسان الذي يبدو ان طموحه لم يعد يقف عند حد معين. 
وكان عصر النهضة الأوروبية أول مراحل تخلص البشرية من قيود التخلف العلمي والانحطاط الفكري، والانطلاق نحو افق العلم الرحب، مدفوعاً بحركة مجتمعية شاملة في الاقتصاد والسياسة والثقافة والفن، تلا ذلك عصر الثورة الصناعية المقترن باختراع الآلة البخارية بانكلترا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، منتقلاً بعد ذلك إلى دول غرب أوروبا ومن ثم إلى جميع
 أنحاء العالم . 
واستمر التقدم العلمي والتكنولوجي حتى وصل العالم الى عصر الفضاء الذي ظهرت فيه النشاطات المتعلقة بسباق الفضاء واستكشافه واستخدام التقنيات التي مكنت الانسان من الذهاب إلى خارج غلاف الكرة الأرضية، والدوران حول الأرض، وارسال الأقمار الصناعية والسفن الفضائية، فظهرت الخطط المستقبلية لإقامة مستعمرات ومدن فضائية، وزاد اعتماد أجهزة الاستخبارات على الأقمار الصناعية في كشف أسرار الأعداء. 
في خضم هذا كله وامام انظار الدول التي اقتحمت هذه المجالات المتقدمة، تراجع العراق مليون خطوة الى الوراء، فبعد ان كان مؤهلاً للانضمام اليها والمشاركة في هذه الفتوحات العلمية بما يمتلكه من طاقات فكرية وثروات ضخمة، جعلته اول بلد عربي يفتح ابوابه لاستخدام السيارات في العام 1908، وصولاً الى بدء إرساله التلفزيوني الأول عربياً أيضاً خلال العام 1954، وقضائه على الامية نهائيا ًفي العام 1977، وصل الآن الى عصر الانحطاط او عصر (التكتك).
ولعل شخصاً ما، يسأل، ما الذي اوصل البلد الى هذا الحال المزري، بعد ان كان يقف على اعتاب التقدم والتطور في كل شيء ؟، وبعيداً عن تأثيرات الحروب والمغامرات الهوجاء التي قادها القائد (الضرورة)، لا بد ان نضع يدنا على الجرح ونقول ان السبب هو المحاصصة المقيتة والاحزاب الفاسدة التي توالت على حكم البلد منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وإلا كيف نبرر هذا التراجع الخطير في كل مفاصل الدولة، فهل يعقل على سبيل المثال ان بلداً غنياً كالعراق يستورد (التكتك) حاله حال دول بنغلادش والهند والنيبال التي تعاني من شظف العيش وقلة الثروات؟، وهل يعقل ان بلدا يمتلك نهرين يستورد ماء الشرب من دول صحراوية؟، وهل يمكن تصديق ما نمر به من أزمة سكن خانقة وثلاثة ارباع العراق عبارة عن مساحات شاسعة غير مستغلة لأي مشروع سكني او زراعي ؟، وكيف يمكن ان نصدق وصول نسبة البطالة الى اكثر من 30 % ، مع ان لدينا أكثر من الف معمل ومصنع مقفل لاسباب غير مفهومة ؟. 
المشكلة او الفضيحة التي ستسجلها كتب التأريخ وتعود لها الاجيال بعد سنوات طوال، ان العراق عاد حينما كان العالم يستعد الى غزو الفضاء الى عصر (التكتك).