خان مرجان

الجمعة 02 آب 2019 205

خان مرجان
حسن العاني 
لو سمعتها من أكثر الناس ثقة لتولّاني شيءٌ من الشك، ولكنّني رأيت بعيني ذلك الجمهور الذي ضاقت به قاعة بغداد مع أنّها تتسع لأكثر من الف شخص، انه حقاً حضور شعبي مدهش والاكثر دهشة فيه أنّ الفعالية التي شهدتها القاعة ليست حفلة غنائية لمطربة تجيد الرقص أفضل مئة مرة مما تجيد الغناء، وليست اجراء قرعة لتوزيع أراضٍ على الصحفيين أو عرضاً من عروض مسرح الضحك على الناس، بل كانت محاضرة علمية تراثية ثقافية عن الخانات العراقية، ألقاها الأستاذ الدكتور حسين جار الله، ويسعدني القول ان مثل هذا الحضور الجماهيري المتميز يعطي دلالة بالغة الاهمية، على ان الشعب العراقي أصيل، فهو برغم الويلات والمصائب التي أحاقت به منذ اكثر من ستين سنة، ما زال شامخاً كالنخلة، معتزاً بتاريخه المشرّف وتراثه الجميل ...
لعلَّ أمتع مافي المحاضرة هو شموليتها، إذ قدّم المحاضر نبذة وافية عن نشأة الخانات ومواقعها وتوزيعاتها الجغرافية وأسباب بنائها، وأشار إلى أنّها كانت تمثّل فنادق بلغة العصر، او أماكن استراحة على الطريق سواء للمسافرين أم الذين يقصدون الزيارة الدينية أم التجارة، وأوضح أن عموم الخانات ذات طبقة واحدة وتقوم على مساحة واسعة من الأرض، أما بناؤها فيعتمد على الطراز الشرقي في تلك المرحلة، أي وجود ساحة واسعة المساحة تتوسط البناء، تدعى (حوش) مفتوح الفضاء، وتتوزع على جوانبه مجموعة من الغرف يتناسب عددها مع مساحة الخان، ويلاحظ – والكلام للسيد جار الله – في العادة وجود "حوض ماء" يتوسط الحوش يستعمل في الغالب للوضوء ...
ونوّه المحاضر الى ان اصحاب الخانات حرصوا على توفير مرابط خاصة للخيول مع المعالف عند ركن من اركان البناء، وكانت تلك المرابط من اساسيات المعمار الذي يقوم عليه الخان، لان وسائط النقل الوحيدة يومها هي الحيوانات، ومن ثمَّ فالعناية بها لاتقل عن العناية بالانسان... ولم يغفل الاستاذ المحاضر مسألة التفاوت الطبقي بين أغنياء المسافرين وفقرائهم، ولذلك حرصت بعض تلك    (الفنادق الأهلية) على توفير خدمات مميزة ومتميزة لبعض النزلاء، وخاصة التجار، وفي مقدمة تلك الخدمات حجم الغرفة وجودة الافرشة ونوعية الطعام ... ثمّ تناول بشيء من الافاضة، الفن المعماري الرفيع الذي انفردت به بعض تلك الأبنية، وربما كان أعلاها شأناً في هذا المجال (خان مرجان) الذي يُعدُّ آية من آيات الابداع الهندسي والمعماري لما تضمنه من فنون ريازيَّة وزخارف ونوافذ صماء وسقوف نادرة التدرُّج وحسابات دقيقة لمسارب الضوء ..إلخ.
لم يترك الانصاري شاردة ولا واردة من أمور الخانات إلّا وأتى عليها بما في ذلك أصل التسمية ومن أين جاءت، ولكنه توقف طويلاً عند خان مرجان الذي أصبح مثلاً بين الناس على اللامبالاة وعدم الاهتمام، وكيف كان مئات الاشخاص يدخلون ويخرجون على هواهم، وهو يذكرني اليوم – والكلام له – بحدود العراق، ولكنّه لم يكمل حديثه وأجهش بالبكاء، ومعه أجهش الحاضرون وأنا لا أعرف السبب ولا وجه الشبه بين الخان والحدود، لذلك قلت مع نفسي: حشر مع الناس عيد، فبكيتُ أكثر منهم حتى اخْضَلَّتْ لحيتي!