هل تنقذ زراعة مليارات الأشجار كوكب الأرض؟

السبت 03 آب 2019 172

هل تنقذ زراعة مليارات الأشجار كوكب الأرض؟
باتريك باركهام
ترجمة: خالد قاسم
عندما انزلقت سيارة كلير دوبوا على طريق جليدية في بلدة ستراود البريطانية، وقفت شجرة حائلاً دون سقوط السيارة بالوادي. ومع اقتراب البشرية من شفا الكارثة، فإن الأشجار بمقدورها منع البشر من تجاوز الحافة.
كان هذا النداء قوياً الى درجة أن كلير أسست منظمة خيرية اسمتها "تري سسترز" مع إحدى صديقاتها لتولي مهمة شاقة: اعادة تشجير المنطقة الاستوائية خلال عشر سنوات. مولت المنظمة عام 2014 أول 12 ألف شجرة لها عبر تشجيع نساء غربيات على تقديم تبرعات شهرية صغيرة لمشاريع إعادة تشجير بتلك المنطقة. وتزرع المنظمة أكثر من مليوني شجرة سنوياً عبر مدغشقر والهند وكينيا والنيبال والبرازيل والكاميرون.
كلير ليست لوحدها بهذا المجال، فهناك نخبة عالمية تتبنى خطابات مؤيدة للأشجار. ويبدو الأمر كما لو أن العالم استيقظ فجأة لقوى النباتات التجديدية. وتستطيع الغابات ايقاف زيادة درجة الحرارة عالمياً وتشجيع هطول الأمطار وضمان مياه نظيفة وتقليل تلوث الهواء وتوفير سبل العيش للسكان المحليين ومحميات للحيوانات البرية النادرة. 
تيقظ السياسيون الى امكانية "حلول مناخية طبيعية" وهي اعادة التشجير وأنواع أخرى من التجديد البيئي، لإلتقاط الكاربون ومعالجة أزمة المناخ. وتوفر هذه الحلول 37 بالمئة من تخفيف غازات الدفيئة المطلوب لتقديم فرصة جيدة من استقرار حرارة العالم تحت عتبة الدرجتين المئويتين.
أعلنت الأمم المتحدة قبل أشهر "عشر سنوات من تجديد النظام البيئي" ووضعت هدفاً لاستعادة 350 مليون هكتار وهي منطقة أكبر من الهند بحلول عام 2030. وتعهدت الهند نفسها بزرع 13 مليون هكتار من الغابات عند العام المقبل، أما أميركا اللاتينية فتريد زراعة 20 مليون هكتار والدول الأفريقية 100 مليون هكتار عام 2030.
طموح الهند هو زراعة منطقة غابات تعادل مساحة إيرلندا سنوياً. وتحظى الأشجار بإشادة واسعة حلاً للمدن ذات المناخ السيئ أيضاً، اذ تمنع ارتفاع درجات الحرارة وتقلل تلوث الهواء. وستشهد انكلترا زراعة أكثر من 130 ألف شجرة داخل المدن والبلدات خلال العامين المقبلين.
 
البشر والتكنولوجيا
لكن الأمر أصعب من مجرد الامساك بالبذور والشتلات وتثبيتها بالأرض، فالمزارع الغريبة قد تسبب مشاكل للتنوع البيئي وسبل العيش المحلية أو كليهما. ومن جهة ثانية لا تنفذ الوعود الكبيرة دائماً، حيث تشير كلير الى أن اعلان الأمم المتحدة عام 2014 قد تعهد بتقليل ازالة الغابات الى النصف عام 2020، وبدلاً من ذلك تكررت هذه الظاهرة وشهد العام الماضي خسارة منطقة غابات بدائية بمساحة بلجيكا، وهو ثالث أعلى استنزاف سنوي منذ بدء الاحصائية عام 2001.
يشيد كثيرون بالتكنولوجيا مثل زراعة الأشجار بواسطة طائرات الدرون، لكنها قد لا تحقق المأمول. وترفض منظمة كلير استخدام الدرون "لأن عمل المنظمة يدور حول العلاقة بين البشر والأشجار. ويؤدي قطع التواصل بين الطرفين الى ازالة الغابات".
فلسفة المنظمة مختلفة: اعادة تشجير محلية اعتماداً على المجتمع مع أشجار وطنية في المناطق المدارية، وتذكر كلير أن حزام الغابة المدارية يوفر هطول الأمطار وتبريد الجو، وهو جزء من نظام توصيل المناخ الصالح للسكن إلينا جميعاً.
تساعد المنظمة "مشاريع استعادة جنة عدن" في مدغشقر لإعادة زرع شجر المنغروف المفقود والغابات المتساقطة الجافة على الساحل الشمالي الغربي. تعد المنغروف شجرة عجيبة لخدمات النظام البيئي المحلي والعالمي؛ فهي تحمي المجتمعات البشرية من الفيضانات الساحلية لكنها أيضا تصفي تدفقات النهر الى البحر وتمنع سيلان التربة نحو المحيط وتدمير الشعاب المرجانية. وتعد هذه الأشجار حواضن ضرورية لصغار السمك، والأكثر أهمية كما تظهر الدراسات هو قدرتها على عزل الكاربون أربعة أضعاف الغابة الاستوائية. وشهدت الفترة بين 2000 الى 2015 اطلاق انبعاثات كاربون بسبب تدمير غابات المنغروف يعادل ما تطلقه البرازيل 
سنوياً.
يوظف المشروع أشخاصاً محليين لجمع وزرع تكوينات بذرية ناضجة من المنغروف، وهي شتلات تسقط عادة من الشجرة وتلتصق مباشرة بالطين أو تعوم بعيداً الى أن تصل ساحلاً آخر وتنمو. وينظف المزارعون الغابة من الأنقاض لأنها مع الجذوع تستطيع تدمير الشتلات. (تكدس الأنقاض بنقاط محددة لتخلق موطناً للحيوانات البرية). 
يقول المدير الدولي للمشروع جيمي شاتنبرغ: "هدفنا ثنائي الجوانب: اعادة التشجير وتخفيف الفقر. اذا قمت بإعادة تشجير وتجاهلت القضية البشرية، أي الفقر، فمن الصعب ايجاد النجاح، لأن الغابة هي آخر ما يلجأ اليه الناس اذا لم يجدوا وسيلة عيش مستدامة أخرى."
 
الوعي البيئي
شهدت السنة الأولى من المشروع زراعة 100 ألف شجرة مانغروف من قبل 8 أشخاص، ويوظف المشروع أكثر من ألف شخص لزرع الأشجار مع زراعة 225 مليون شجرة جديدة منذ 2006. وتعرض بعض المزارعين المحليين للاستعباد من قبل نظرائهم بارونات السمك بسبب ديونهم مقابل استخدام معدات الصيد، لكن مداخيل زراعة الأشجار مكنتهم من تسديد ديونهم والتحرر من العبودية.
لا يعد تجديد أشجار المانغروف أمراً سهلاً، فمزارع المشروع تقع على أرض حكومية ومجتمعية بجانب الساحل، مع دعم القرى المحلية. ومعظم الأشجار هي مناطق متنازع عليها لكن الناس ما زالوا يدعون الحق بانشاء مزارع الروبيان أو الهجوم على الغابات لقطع الأخشاب بهدف البناء والفحم.
لكن شاتنبرغ يشعر بالتفاؤل بشأن التغيرات المنظورة للبيئة  "بدأت مناطق واسعة بالعودة ويرى سكان مدغشقر تغييرات في السمك والسلطعون وعدد الحيوانات البرية. نرى تغيراً بكيفية شعور الناس تجاه الغابة، ويدركون قدرتهم على حمايتها. المشروع لصالح مدغشقر وشعبها ومستقبل عالمنا."
يقود اصرار مشابه على اعادة التشجير لصالح السكان المحليين حملة استعادة "جبل كينيا" المجرد من الغابات، وتعمل المنظمة مع مؤسسة الأشجار الدولية وهي جمعية خيرية أسست عام 1924 على يدي مختص بالغابات يدعى ريتشارد سانت بارب بيكر.
تعاني كينيا من شحة المياه، وتعتمد على الأمطار الموسمية لتزويدها بالماء. ويؤثر غطاء الغابة في هطوم المطر ودرجات الحرارة والرطوبة، اضافة الى تصفية الماء. ويبلغ غطاء غابات كينيا بأحسن أحواله 7 بالمئة فقط، لكن دستور البلاد يلتزم بزيادته الى 10 بالمئة. ووقعت كينيا أيضاً مبادرة استعادة المناظر الطبيعية الأفريقية والتي تشترط استعادة أكثر من 5 ملايين هكتار من الأرض المتدهورة في كينيا، لكن مثل هذه الأهداف لم تخلق حتى الآن قوة جذب على الأرض.
تدعم مؤسسة الأشجار الدولية جمعيات خيرية محلية للعمل مع النساء المحليات على انشاء حواضن صغيرة للأشجار الوطنية عند حافة الغابة. وتدر مبيعات شتلات الأشجار مداخيل على تلك الجماعات، ومن ثم توزعها قروضاً لمساعدة حقول ومشاريع النساء. 
وتزرع الأشجار المحلية بشكل مباشر داخل المناطق المجردة من الغابات، بينما هناك خطة جديدة لتمكين السكان المحليين من زرع البطاطس مؤقتاً داخل مناطق اعادة التشجير، وتساعد الزراعة الأشجار المحلية على النمو بحرية من الأعشاب الضارة خلال سنواتها القليلة الأولى. وتزرع النساء أشجاراً مطعمة عالية القيمة مثل الأفوكادو وجوز المكاديميا داخل حقولهن المستدامة.
 
صحيفة الغارديان