6 ×6 = 32

الاثنين 05 آب 2019 357

6 ×6 = 32
د. حسين القاصد
يحكى أن صديقين افترقا بعد دراستهما  الابتدائية، ومر على افتراقهما اكثر من عشرين عاما، كان أحدهما مميزا جدا في دراسته، وصار طبيبا فيما بعد، بينما اختفى الآخر بعد أن ترك الدراسة ؛ وشاءت الصدفة أن يلتقيا في تقاطع مرور مزدحم، كما هو حال شوارع بغداد، وكان الطبيب في سيارته المتواضعة ينتظر انسياب المرور، وكما هو حال الضجر حين يفرض نفسه، أخذ الطبيب يتلفت يمينا وشمالا، فإذا بسيارة حديثة مظللة، ابنة عامها، تقف إلى جواره، فأخذ يتأملها حتى انتبه إليه صاحب السيارة فأنزل زجاج سيارته، وهنا حدثت المفاجأة ؛ انه زميله في الابتدائية، فتعارفا بابتسامة مرتبكة، وأومأ صاحب ( المظللة) لزميله أن اتبعني حال انسياب المرور، فتبعه حتى وصلا إلى بيت فخم وفيه حرس 
وحمايات . 
نزل الطبيب ضيفا على صديق طفولته، وسأله أن كيف وصل الى ما وصل إليه، فأجابه زميله بأنه ترك الدراسة واستقل التيه مصيرا له، حتى مر من أمام محل لسحب أوراق (اليا نصيب)، ولأنه لا يحفظ من جدول الضرب غير أن ( 6×6=36) فقرر أن يسحب أي ورقة قريبة من العدد (36) فجاءت بيده ورقة رقمها (32) ففاز بمبلغ كبير وصارت له شركات وأموال وبيوت ؛ فاعترض الطبيب وقال له لكن الصحيح هو (32) فأجابه لو فعلت مثلك لصرت طبيبا فقيرا مثلك تماما!! (خل الدراسة تفيدك). 
اسوق هذه الحكاية وانا ارى كيف يتسابق بعض الساسة لمساعدة الطالب الأول على العراق ويجعلونه دعاية سياسية، في بلد من المفترض انه دولة مؤسسات، ولقد كان العراق في ايام تخلف كل البلدان يرسل الطلبة الأوائل للدراسة في الدول المتقدمة ليعودوا ويخدموا البلد وينقذوه من جماعة ( 6×6) . 
الطالب الاول على العراق هذا العام، لا يعرف شيئا عن التعليم الأهلي ولا عن المدرس الخصوصي، وهو يسكن ابعد نقطة في محافظة ذي قار قلعة سكر ، ويقطع مسافة طويلة من بيته الطيني إلى مدرسته المتهالكة، وهو بهذه الحال لا يعرف شيئا عن الفيسبوك ولا اظنه يريد ذلك، ولا يهمه أمر عازفة الكمان في ملعب كربلاء، ولم يفكر بأية درجات تمنح مجانا، ولا ينتظر أن ينجح بمساعدة من الإدارة مراعاة لظروفه الصعبة ؛ وهو قبل ذلك وبعده، يشفق على من يتاجر باسمه او يود الشفقة عليه . 
هي معجزة حقاً، لكنها ليست معجزة!! وأقول ليست معجزة لأنه من مدينة أغلب سكانها بين مدرس ومعلم وكأنهم لا هم لهم سوى التعليم، كما أن أغلب الذين ينتظرون التعيين من خريجيها، ايضا، ينتظرون أن يكونوا مدرسين ومعلمين ؛ لذلك لا هم لهؤلاء سوى العلم والتعلم ؛ فهل من رعاية حكومية مؤسساتية تقطع الطريق على المتاجرين بقضية الطالب الأول على العراق، وتتكفل باكمال دراسته في أرقى الجامعات العالمية، هووزميلته، ابنة منطقته، التي حققت تميزا غير مسبوق، في منطقة معدومة الخدمات تماما . ننتظر أن تحدد مصيرهما الدولة وتكرمهما على تفوقهما ولا تتركهما دعاية لمن يمتلك المال.