الأول على العراق

السبت 17 آب 2019 144

الأول على العراق
محمد شريف أبو ميسم 
في قرية نائية، بعيدا عن قضاء قلعة سكر كان يقيم حسن ذو الثامنة عشر من العمر في بيت طيني يبعد نحو اثنا عشر كيلو مترا ترابيا عن مدرسة «الطف» التي يقصدها يوميا ذهابا وايابا سيرا على الأقدام متأبطا كتبه، ونعليه في الأجواء الممطرة التي شهدها الموسم الدراسي الماضي، 
حتى اذا ما وصل المدرسة، غسل قدمية ولبس نعله وشرع في تلقي العلم من أساتذة مخلصين في عملهم، 
صادقين في وعدهم لا يعرفون زيفا في أداء الأمانة العلمية والتربوية، ولأن المدرسة التي يدرس فيها حسن تعمل بنظام ثنائي ، تكون عودته الى منزله سيرا على الأقدام في الأماسي التي تعقب أوقات دوام الظهيرة خلال الموسم الشتوي الذي عادة ما يشهد حلولا مبكرا للظلام. وتحت الحاح والدته يذهب شقيقه الأكبر علي، وفي أحيان أخرى 
والده باتجاه طريق العودة تحت جنح الظلام لتأمين وصول حسن، خشية تعرضه للأذى من الحيوانات السائبة وسواها المنتشرة على طول الأراضي الريفية التي تحتضن ذلك
 الطريق.من رحم هذه البساطة، استطاع حسن بارادته واصراره أن يتفوق على كل أقرانه في البلاد ويعتلي موقع الصدارة في السادس العلمي، ليكون الأول على العراق بمعدل دراسي قدره 99.86 بالمئة، ويطيح بكل المعايير الجديدة التي صنعتها آلة الوهم الدعائي، بشأن التدريس الخصوصي أو ما يسمى بالدورات وخصخصة التعليم
، وزيف ما يقال بشأن تردي 
واقع التعليم الحكومي، ليعلن للقاصي والداني، ان قطاع التعليم الحكومي ما زال يحتضن الشرفاء والمخلصين من التدريسيين المؤمنين برسالتهم التربوية، وان أوقات التدريس اليومية في المدارس الحكومية كفيلة بصناعة جيل متعلم قادر على الولوج الى عالم البحث العلمي وتقليص الفجوة المعرفية بينه وبين العالم المتطور اذا ما خلصت النوايا وصدقت الارادات، وتحمّل كل منا مسؤولية العمل الموكل اليه.  ليس هذا فحسب، 
فقد قال حسن كلمته، بشأن صناعة مجتمع 
معرفي، قائم على التنمية البشرية، وكيف يمكن للفرد أن يميط اللثام عن الوهم وفضح مريديه والداعين له،
 ليكون التعليم للجميع وليس حكرا على العوائل الميسورة في المدن والأحياء الحضرية، من خلال الارادة القائمة على تنظيم الوقت والاحساس بالمسؤولية والثقة بالنفس والسعي لوصول الهدف، حتى وان نأت المدارس وشحت خدماتها، ليكون الضمير التربوي هو العنصر الأبرز في العملية التربوية، 
وهنا يكشف حسن بنجاحه الباهر عن زيف ما يقال بشأن نظام «الاحتراف في المدارس الخاصة» التي تدفع مبالغ طائلة لعينة من المدّرسين بوصفهم الأفضل في طرق التدريس وفي صناعة خرافة «الملازم»، فيما استطاعت أقدام حسن الحافية، أن تطيح بأساطيل النقل التي تملكها عديد المدارس الخاصة المنتشرة في عموم مدن البلاد، وتصل الى الصدارة من دون عشرات الآلاف من طلبة هذه
 المدارس.تحية حب واعتزاز لابن العراق البار حسن محسن معيوف وهو يمنحنا حكاية بألف كتاب، ولعائلته الكريمة التي منحت الصبر والزهد نجاحا لا مثيل له، ولأساتذته الكبار في مدرسة «الطف» الذين أعطوا درسا بليغا في التربية والتعليم لعموم العراقيين. وباقة ورد للعراق الذي ما زال ينجب الأبناء البررة.