عزيزي الرئيس ترامب .. دعنا نتحدَّث عن إيران

الثلاثاء 20 آب 2019 150

عزيزي الرئيس ترامب .. دعنا نتحدَّث عن إيران
ستيفن أم والت* ترجمة: أنيس الصفار 
 
عزيزي الرئيس "دونالد ترامب":
أنا وأنت لم نلتقِ من قبل، ولأنّك لست من المتيمين بالقراءة فإنّي أشكُّ حتى في أنّك ستعرف من أنا. ولكنّي أعلل نفسي، مجرّد تعلل، بأن أحد الأعضاء العاملين معك سوف يلفت انتباهك الى هذه الرسالة.
أكتب اليك لأنّ سياستك في الشرق الأوسط، وتجاه إيران بشكل خاص، تبدو مشوشة حقاً في الوقت الحاضر، وأملي أن أتمكّن من مساعدتك في العثور على مخرج. سأحاول ان استخدم كلمات صغيرة (لأن اصغر الكلمات أحسنها!) على نحو ما تفعل أنت كلما غرّدت على تويتر أو تحدثت في تلك التجمعات الحاشدة التي تقام لك. بيني وبينك، سيدي الرئيس، أقول إنّك اخطأت بتمزيق الاتفاقية النووية مع إيران. أنا ما أزال أتساءل الى اليوم إن كنت حقاً قد فهمت بنودها وفقراتها فهماً وافياً، لأنني كلما سمعتك تتحدث عنها بدا لي أنك تخطئ في فهم اشياء كثيرة.

دعنا من هذا الان: لأني واثق أنك حينها حسبتها الحركة المناسبة، وربما ترآى لك حتى انها صفقة "مريعة". هنا بالتحديد أخشى أنك كنت تصغي الى اشخاص ما كان ينبغي الاصغاء اليهم. فبدلاً من اخذ مشورة "شيلدون أديلسون" ومحمد بن سلمان وبنيامين نتانياهو كان عليك الاستماع بوعي وادراك الى الرأي الحكيم الذي قدمه لك "جيمس ماتيس" و"أتش آر مكماستر" وجميع حلفاء الولايات المتحدة الاوروبيين، أو حتى الى صديقك الحميم "فلاديمير بوتين". هؤلاء جميعاً وعوا أن صفقة إيران النووية صفقة حسنة للغاية وأنها كانت ستحقق الهدف الاساسي المرجو منها، وهو ابعاد ايران عن السلاح النووي، وكان سيسعدهم ان يعملوا معك للبناء على اساس تلك الاتفاقية لمعالجة جوانب القلق الاخرى التي تنتابك بخصوص إيران.
 
خطأ يجر أخطاء
انظر الان الى أين انتهيت. لقد ادارت الولايات المتحدة ظهرها للاتفاقية، ثم فاقمت خطأها حين هددت بمعاقبة الدول الاخرى التي تواصل تعاملاتها التجارية مع ايران أو تستثمر لديها. ومع ارتفاع سخونة الموقف ها هي الولايات المتحدة بلا مناصر لقضيتها بين القوى الكبرى. اكثر من ذلك انها اضعفت موقف المعتدلين، الذين كانوا يأملون بصدق أن ينجحوا في تحويل إيران الى بلد لا ثوري (وهو الهدف المقصود على المدى البعيد كما يقول وزير الخارجية "مايك بومبيو") وعززت موقف القوى المتشددة التي كانت تعد الولايات المتحدة منذ أمد بعيد عدواً لا يرجى صلاحه ولا يمكن الوثوق به.
يقودني هذا الى النقطة التالية، وهي أن سياستك الموصوفة بـ "الضغط الاقصى" لا تفعل فعلها كما كان يتوقع مستشاروك. أنا نفسي لا أعرف بالضبط ما هو هدفك الحقيقي من هذه السياسة، أتراك تأمل في التوصل الى اتفاقية نووية جديدة، أم إسقاط النظام، أم انه مجرد احتواء لنشاطات إيران في المنطقة؟ أياً يكن الأمر يبدو لي أننا لسنا أقرب اليوم من اي من هذه الاهداف، فقد أشار تقرير حديث لمركز الدراسات الستراتيجية والدولية الى أن نشاطات إيران في المنطقة لم تهمد ولم تضعف. 
أنا شخصياً اعتقد أن التقرير فيه بعض التطيُّر، ولكنه مهم رغم هذا. ها نحن نرى الايرانيين ينأون شيئاً فشيئاً عن الاتفاقية النووية، ومن ثمّ يقتربون اكثر من امتلاك قنبلة حقيقية. ونظراً لأن الولايات المتحدة هي التي بادرت بالخروج من الاتفاقية أولاً فإنّك لن تستطيع القاء اللوم عليهم (ولو أنّك ستحاول هذا بطبيعة الحال). كذلك يبدو أن الزعماء الايرانيين اخذوا يخرجون عن نهجهم المعتاد كي يثبتوا لك أنهم لا يمكن جرهم الى الاذعان بالترويع او الاكراه او بالتجهم والوعيد. الوضع برمته ينذر باحتمال جرك انت الى حرب هي عينها تلك التي كنت تردد دائماً أنك تريد تجنبها. باختصار، إن خطأك جر الى أخطاء.
من المهم يا سيادة الرئيس أن تفهم لماذا انحدرت المواجهة كل هذا الانحدار، فاستجابة إيران قد تبدو لك مربكة، لأنّ الولايات المتحدة هي الاعظم قوة بمدى شاسع، والعقوبات الاقتصادية المضافة قد أوقعتهم في متاعب جدية؛ بلا ريب. لماذا إذن لا تقول طهران "أجل" وتذعن لكل ما تريده أنت منها او بولتون او بومبيو؟ هل السبب أن قادتها متعصبون دينيون شديدو العناد؛ لا يمكنهم التمييز بين الامور بالعقل؟
 
اذهبوا الى الجحيم
كلا، الأمر ليس كذلك وإليك حقيقة ما يجري ويدور: فإذا ما سمح لك بلد اضعف منك بكثير أن "تعتو" عليه وتبتزه بالبلطجة مرة فقد يجعلك هذا تعتقد بأنّك قادر على ابتزازه مرة ثانية وثالثة، أو كلما طاب لك ذلك. لذا يكون في صالح ذلك البلد أن يثبت لك أنك لا تستطيع ترويعه وارهابه ولا مناص لك من اعطائه شيئاً مما يطالب به في اي اتفاقية لاحقة. هذا هو ما قصده القادة الايرانيون حين تحدثوا عن ضرورة ابداء الولايات المتحدة "الاحترام". 
هم لا يحاولون فقط الحفاظ على ماء وجوههم، بل يقولون لك إنّ تفوق القوة الاميركية ليس مبرراً كافياً لجعلهم يرضخون وأن عليك المساومة بانصاف حتى لو كانت أوراقك اقوى من اوراقهم. لا شك أنك قد لاحظت أن كوريا الشمالية والمكسيك وبعض الدول الاخرى تتصرّف هي الاخرى على هذا النحو، وهو نحو ينسجم مع جدليات بعض الباحثين المتخصصين ايضاً.
دعني اوضح لك الامر بطريقة أنا واثق انك ستفهمها. هل تتذكر تلك النصيحة التي قدمها لك "روي كوهن" عندما واجهت شركة عقاراتك اتهاماً بأنّها تمارس التفرقة العنصرية؟ يومها طلب منك أن ترد على وزارة العدل بعبارة "اذهبوا الى الجحيم!"، ثم تأخذ أنت مبادرة الهجوم؟ ما اراد كوهن قوله هو انك حين تكون الطرف الأضعف عليك أن تميل اكثر نحو الهجوم كي تمنع الاخرين من استغلال ضعفك. هذا هو من حيث الاساس ما تفعله ايران، وهو السبب في أن سياسة "الضغط الاقصى" لم تحقق الثمرة المرجوة. هل فهمت الان؟
بعبارة أشمل أقول إنّ نهجك في الشرق الاوسط قد استند الى اعتقاد خاطئ مفاده أن الجمع بين الدعم اللامشروط لشركاء الولايات المتحدة المعروفين (اسرائيل والسعودية ومصر ودول الخليج .. الخ) والعداء الصارم لخصومها القدماء الراسخين؛ مثل إيران، هو الطريق الأضمن للنجاح.ولكن، إليك ما لا يخبرك به مستشاروك: فمثلما تحب أن تردد أن مصالح الولايات المتحدة تكون هي المقدمة دائماً وقبل كل شيء يسعى من نسميهم اصدقاء أميركا في المنطقة ايضاً الى تقديم مصالحهم ووضعها قبل كل شيء. 
لهذا ترى شركاء أميركا الحاليين (ومعهم من يساندونهم أو يشكلون جماعات ضغط مدفوعة الاجر لصالحهم داخل الولايات المتحدة) يكتفون بالوقوف جانباً متفرجين سعداء ينظرون الى أميركا وهي تدخل المواجهة مع إيران.
ضمن السياسة الخارجية نسمي هذه الستراتيجية "إزاحة الحمل"، فبدلاً من تحمل أعباء باهظة أو مجازفات خطرة تحاول الدول الذكية توريط آخرين غيرها لخوض معاركها نيابة عنها. في بعض الاحيان لا يكون هذا ممكناً، فالولايات المتحدة لم يكن بوسعها أن تزيح الحمل عنها وتلقيه على غيرها خلال الشطر الاعظم من حقبة الحرب الباردة، لكن الشرق الاوسط اليوم منطقة مناسبة يمكنها فيها، وينبغي عليها، أن تفعل ذلك. 
كل ما نريده هناك في الواقع لا يتعدى احلال موازنة بين القوى المختلفة بحيث لا يعود بمقدور دولة واحدة أن تهيمن على المنطقة وان يبقى النفط متدفقاً الى اسواق العالم. الشيء الحسن هنا هو أنه ما من دولة اليوم تتمتع بوضع يمكنها من السيطرة على المنطقة، بل الارجح أن الشرق الأوسط اليوم اكثر تفتتاً وانقساماً من اي وقت مضى. لذا ما من سبب يدعو الولايات المتحدة للوقوف على خط المواجهة الامامي هناك مهما أسمعوك، وبدلاً من السماح لدول الشرق الاوسط بأن تزيح حملها نحو الولايات المتحدة ينبغي على الاخيرة ان تزيح الحمل عنها وترده إليهم.
 
صداقة الجميع
أخيراً أقول إنّ أفضل طريقة لجعل سياستك في الشرق الاوسط فعّالة هي أن تقيم علاقات عمل مع إيران ايضاً. لماذا؟ لأن هذا سيجعلها اقل رغبة في الهرولة نحو القنبلة، كما انه سيعطيك ذراع ضغط اقوى عند تعاملك مع الاخرين. فحين يذهب بومبيو الى الرياض سيكون من صالحك أن يعلم ولي العهد بن سلمان بأن محطة بومبيو التالية سوف تكون طهران. بهذه الطريقة سيكون لدى ولي العهد سبب يجعله يستجيب على الاقل لبعض ما يطلبه منه بومبيو. وعندما يحل بومبيو في طهران سيناسبك ان يعلم الايرانيون ان محطته التالية هي تل أبيب، بذلك سيفكرون باسترضائك هم ايضاً. وفي تل ابيب سيهمك أن يعلم الاسرائيليون أن بومبيو قد قدم لتوه من طهران وأنه سيتوجه الى أنقرة أو بيروت خلال وقفته التالية، بذلك لن يعتقدوا أن دعم الولايات المتحدة لهم مطلق ومضمون. على الولايات المتحدة ان تتشبه اكثر بروسيا، أو الصين، فكلتاهما تتحدثان مع الجميع في الشرق الاوسط، وهذه السياسة تمنحهما قدرة أكبر على التأثير مما لو كانتا تتعاملان مع طرف واحد دون الاخرين.
أدرك ان مغزى كلامي هو أن عليك اجراء تعديلات كبيرة، وقد يتطلب الأمر تغيير بعض كبار مستشاريك. ثم ماذا؟ أنا لا احاول أن امتدحك أو أطريك، ولكني حقاً لا استطيع تذكر رئيس اميركي واحد كان افضل منك في الانقلاب على نفسه بدون تقديم عذر أو سبب. كذلك انك بلا ادنى شك افضل الرؤساء طراً في طرد الناس من ادارتك. وكما قلت انت نفسك خلال مناسبة غير بعيدة: أنه نظراً للفوضى الموحلة التي يبدو أن مستشاريك قد جروك اليها، ربما يكون الوقت قد أزف للقيام ببعض التنظيفات.
سيادة الرئيس: أنا لم اصوت لك في الانتخابات السابقة، ونظراً لأدائك الذي أراه حتى الان استبعد أن تكون خياري المفضل خلال العام 2020. ولكني أكره أن تنزلق مكانة الولايات المتحدة في العالم الى درك ادنى مما انزلقت اليه، وانا بالتأكيد لا أرغب في رؤيتك تعيد نفس اخطاء من سبقوك في الشرق الاوسط (لا سيما ادارة "جورج دبليو بوش"). لذلك آمل منك أن تأخذ بالجد نصيحتي التي قدمتها اليك. 
ثمة شيء آخر اود قوله، وهو أني لن أبالي البتة إذا ما قررت في لحظة نادرة من لحظات الحظ السعيد أن تأخذ بنصيحتي دون أن تعزو الفضل الي بأي درجة.
المخلص لكم، 
ستيفن أم والت
 
*ستيفن أم والت استاذ في العلاقات الدولية
من جامعة هارفارد