مكوّنات الحكايات وأبعادها

الاثنين 26 آب 2019 131

مكوّنات الحكايات وأبعادها
عادل العامل
 
تتوارث الأجيال المتتالية من خلال سردياتها المختلفة ما عاشه أو توارثه الأسلاف على مرّ الزمن من التجارب، والعِبَر، والغيبيات، ورموز الأجداث الغارقة في القِدم. وهذا الموروث التراكمي ليس مجرد أساطير ونكات وأمثال وحكايات خرافية تروى لغرض المتعة، أو لقضاء الوقت، أو لتنويم الأطفال، كما اعتاد بعض الناس على التعامل معها، في أحياٍنٍ كثيرة، وإنما هي تعبير سردي ذو طبيعة مباشرة أو رمزية عن تجارب البشر اليومية والمصيرية في مختلف مجالات حيواتهم المعيشية والاجتماعية والفكرية. ومن ثمّ، فهي تعكس خصائص البيئة التي عاشوا فيها، والأحداث الطبيعية والتاريخية الغابرة التي مرّوا بها، والأخلاقيات التي تعارفوا عليها، والتطلعات التي انشغلت نفوسهم بها، والمستوى الفكري والحضاري الذي وصلوا
 إليه. 
فالناس الذين عاشوا في المناطق الصحراوية تركوا وراءهم حكاياتٍ وأساطير غير تلك التي خلَّفتها أقوام عاشت في الغابات أو في جوار البحر والأنهار أو في الحقول الزراعية. ومن هنا نجد الفقمة وسمك القرش وحورية الماء وما شاكل في موروثات شعوب البحار، ونجد الجنَّ و ابن آوى والرعاة في موروثات سكنة الصحاري والأرياف، بينما تسود ثقافة الحلم والأعشاب وآلهة الأرواح في حكايات أهل الغابات. 
وقد تتفق هذه الأقوام المتباينة الثقافات، أحياناً، في بعض عناصر موروثاتهم أو تختلف، حسب طبيعة العصر الذي عاشوا فيه والبيئة التي نشأوا فيها، وبتأثير التغيّرات الجيومناخية والحضارية التي شهدتها مواطنهم الأصلية. فنحن نعرف الآن أن هناك صحاريَ كانت في أزمانٍ غابرةٍ أراضيَ خصبة أو بحاراً أو بحيرات، وهناك مناطق خضراءٌ اليوم كانت في يومٍ ما مناطق متجمدة أو أرضاً جرداء. هذا فضلا عن التأثيرات الثقافية المتبادلة، وتماثل الخبرات أو التجارب الإنسانية في بعض أمور الحياة هنا
 وهناك.  
وعلى كل حال، فإن الحكايات الشعبية، وبعضها أساطير وخرافات، لا تخلو عادةً من درسٍ أو عبرة، أو نصيحة أو فائدة، أو معلومة أو حكمة، مستمدة من تجربةٍ إنسانية، فضلا عن ما فيها من رموز أو إشارات غامضة إلى ظواهر أو أحداثٍ عظيمة حدثت يوماً ما ولم يبقَ منها في الذاكرة الجمعية إلا ما يشبه الحلم أو الخرافة أو اللغز العصيّ على التفسير.
فعندما يُنظر، مثلاً، إلى أسماك القرش في موروث بولينيزيا، (وبولينيزيا مثلث من الجزر في المحيط الباسفيكي ومنها جزيرة نيوزلندة)، على أنها أرواح حارسة، فهذة ليست سذاجةً من القوم أو مجرد تخريف، وإنما هي نظرة قائمة على تجربةٍ ما مع أسماك القرش التي تعايش معها أسلافهم القدماء باستمرار في بيئة
 واحدة.
وقد كان “الطنطل” يمثّل لدينا في جنوب العراق كائناً خفيّاً غريباً يقال أنه يتخذ أشكالاً مختلفة لعابري السبيل ليلاً ويهزء بهم ويوقعهم في “مقالب” مربكة، من دون أن يستطيع أحدٌ التأكيد على واقعية تجربته معه بأي شكل من الأشكال. ويظل الناس يتداولون الحديث عنه، ويضيفون إليه تصرفات وصفات وأحداثا حتى أصبح ذلك الكائن الخرافي الذي راح الناس يخشون من المرور في طريق مظلم أو في وقتٍ متأخر كي لا يتعرّضوا لألاعيبه وأفعاله المفزعة! ولا يتعدى الأمر، في حقيقته، ربما، أن شخصاً ما أصابه الفزع، وهو يسير وحيداً في طريقٍ خالٍ ليلاً، وخُيِّل له، وهو خائف أصلاً، أنه قد رأى شيئاً ما يتحرك على مسافةٍ منه (بفعل هبة نسيم مفاجئة) فانطلق هارباً مفزوعاً من المكان ليحكي فيما بعد عما تصوّر أنه عفريت متنكر في شكل قطة، أو قطعة صوف، أو أي شيء
 آخر! 
وهناك ما يماثل هذا في تراث بلدانٍ أخرى، كالبرازيل التي يُدعى فيها مثل هذا الكائن الخرافي (ساسي)، وهو بهيئة صبي له ساق واحدة، ويدخّن غليوناً، ويعتمر قبعة سحرية حمراء تمكّنه من الاختفاء والظهور متى ما شاء. وهو يعدُّ، في مناطق برازيلية كثيرة، كائناً لعوباً جداً، يُحب أن يُخفي الأشياء المنزلية، ويُخيف الحيوانات، ويصفر في آذان الناس، ويحوّل المطابخ إلى فوضى كاملة؛ بينما يُنظَر إليه في مناطق أخرى باعتباره مجرد شخصٍ ساخط يعبّر عن سخطه بما يثيره من صخبٍ ومن متاعب
 للناس.
 ويقال إن الأسطورة نشأت أصلاً في أوروبا في القرن الثالث عشر، وانتقلت في القرن الثامن عشر مع الأفارقة العبيد الذين جُلبوا إلى البرازيل، وجرت على شخصية ساسي هذا تعديلات وإضافات تتلاءم مع البيئة الجديدة وأهداف الناس من استخدامها في حياتهم اليومية.
وهكذا، فإن في الحكايات الشعبية، أو الأساطير، أو الخرافات ما يعود، في أساسه، إلى حادثٍ، أو تجربة شخصية، أو تصوّرٍ ما بُنيت عليه وتراكمت أقوال وتخيلات وإضافات عبر السنين والأماكن المختلفة، حتى صار إلى ما صار إليه من حكاية، أو أسطورة، أو خرافة ممتعة يتداولها الناس اليوم هنا أو هناك.