دعوات الى مدرسة تحليل سياسي عراقيَّة الملامح

الاثنين 26 آب 2019 499

دعوات الى مدرسة تحليل سياسي عراقيَّة الملامح
عدنان أبوزيد
تبرز في اعلام الفضائيات، موجة تحمل على ظهرها أعدادا كبيرة من المحلّلين السياسيين، الذين اثبتوا حضورا واضحا، في الحوارات ونشرات الاخبار، بغض النظر عن الموقف من تجلياتهم السياسية، وفيما إذا اصابت في تحليل الاحداث واستشراف المستقبل، أم لا.
وليس الاعلام العراقي وحده في الظاهرة، ذلك انّ الاعلام العربي، في برامجه السياسية، يُبرز منظرّين وباحثين، وراصدين للأحداث، فيما بات واضحا انّ هناك تحليلا سياسيا مؤدلجا، وموجّه الأغراض، وفي الجانب المقابل، يلمح الراصد، تحليلاً مهنيا مستقلا وعلميا، يسعى الى كشف تفاعلات الأحداث وطلاسمها بعيدا عن مؤثرات القوى النافذة،الايديولوجيات المهيمنة.
وفي الوقت الذي يوجّه فيه النقد الى ظاهرة التحليل المنحاز والمحللين الذي يستسهلون المهمة، فيقدمون أفكارا وتفسيرات على وفق رغبة هذه الجهة او تلك، فان وجهات نظر، استشرفتها «الصباح»، ترى في التحليل السياسي في العراق، أسسا إيجابية يمكن البناء عليها للتأسيس لمدرسة تحليل سياسي عراقية، واضحة الملامح.
 
زيد الحلي: تسونامي المحللين
يتحدث الكاتب والصحفي زيد الحلي عن «اعداد هائلة من القنوات التلفازية، والاذاعات المحلية التي تسبح في الاثير العراقي، وبسبب كثرة البرامج ( الحوارية ) و( النشرات الاخبارية ) فإنها تسعى الى سد الفراغ المطلوب، وليس غريبا، ان تشاهد ( محللاً ) يظهر على شاشات عدة، في يوم واحد».
ويستطرد الحلي في الحديث: «ليس غريبا، ان يشبه المشاهد ( بعض المحللين ) بانهم (تسونامي) أي مثل الموج العاصف، كونهم يعبّرون عن حالة مزاجية جيدة في أوقات تريدها هذه القناة، وسيئة في أوقات أخرى ترغب بها القناة الثانية، ونحن نشاهد هذا المحلل او ذلك، ندرك ببساطة شخصيته المزاجية المقحمة عليه».
يعترف الحلي بان حديثه فيه «بعض القسوة ازاء الكثرة الكاثرة، التي تقتحم بيوتنا في المساءات، لكن هذا لا يعني عدم وجود محلل سياسي عراقي، يتسم بالموضوعية وذي شخصية وكاريزما مقنعة لعقل المتلقي، فانا اعرف من اثق برؤاهم وسعة فهمهم للموضوعات التي يناقشون فحواها، ويعتمدون السهل الممتنع في ايصال افكارهم».
ويكتسب دور المحلل السياسي أهمية أكبر في السيناريو السياسي في جميع البلدان، ويعتمد عليه صناع القرار، في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
 
فاضل أبو رغيف: ضبط المعايير 
يتحدث الخبير الستراتيجي، المختص بشؤون الإرهاب فاضل أبو رغيف لـ»الصباح» عن ان «التحليل السياسي وفق علم السياسة هو مهنة غايتها تنوير الأذهان وتقديم خدمة مجتمعية معرفية مرتكزة أساسا على النزاهة والأمانة العلمية»، معتبرا ان «التحليل السياسي لا يمكن أن يصل لمرحلة الجزم، بل يبقى دائما في نطاق الاستشراف والتوقع، وتكون نتائجه أقرب للدقة على المدى القصير بينما قد تقل على المدى البعيد».
لكن أبو رغيف يرى ان «هذه المهنة العلمية الراقية قد أصبحت مهنة من لا مهنة له، فكل من هب ودب أصبح يقدم نفسه محللا سياسيا أو حتى ستراتيجيا، من دون أن يعير القائمون على القنوات أي قيمة أو انتباه لحساسية هذه المهنة».
ويقترح أبو رغيف «ضبط معايير هذه المهنة عن طريق اشتغال الباحث او المحلل على موضوع معين أو على محور في المجال السياسي لمدة طويلة لا تقل عن 10 سنوات تجعله خبيرا فيه وله دراية به، كما يجب ان يكون أكاديميا يدرك أدوات ومناهج التحليل وله دراية بعملية القياس وتوظيف المؤشرات والمقارنات الممكنة».
 
واثق الجابري: القراءة الاستشرافية
ينتقد المحلل السياسي واثق الجابري في حديثه لـ»الصباح»، ظواهر سلبية في التحليل السياسي، فيقول ان «ما يشاع الان هو قراءة سطحية لا تنطبق عليها شروط التحليل السياسي المهني، وما نراه في العراق، أما سطحية في القراءة أو أدلجة، حيث تغيب الحيادية والقراءة الاستشرافية للأحداث كون الأفكار ناجمة عن اعتقاد محلل ما، بانه على حق، وغيره على باطل، وليس هناك منطقة حياد».
يرى الجابري ان «على الأعلام أن يعي خطورة التحليل الخاطئ، والمحلل يجب ان يكون على اطلاع على الأقل بالعلوم التي ترتبط بالسياسة ومعرفة قانون الدولة ودستورها»، معتبرا ان «الزيادة بأعداد المحللين هي تخمة تضر كما هو الجوع»، ومقترحا «تطوير التحليل السياسي من خلال المناهج والتدريب وامتلاك المعلومات والثقافات».
وتشير دراسات اكاديمية ترجمتها «الصباح» الى ان المحللين السياسيين يعدون من العلماء السياسيين الذين يقومون بالبحث في الأنظمة السياسية في بلدهم وعلاقتها بالدول الأخرى، ويقدمون النصح لقادتهم حول السياسات التي يجب اتباعها، فضلا عن عملهم الدؤوب في تطوير نظريات سياسية مختلفة بناءً على تحليل الاتفاقيات والمعاهدات والوثائق والإحصاءات التاريخية. 
 
محمود الهاشمي: التحليل السياسي موهبة
الكاتب والمحلل السياسي، محمود الهاشمي، يتحدث لـ»الصباح» عن ان «التحليل السياسي موهبة مثل باقي المواهب في الأدب والفنون والاختراعات، وبالقدر الذي تكون فيه المؤسسات راعية لهذه المواهب فبالإمكان تطويرها والاستفادة منها».
ويعتبر الهاشمي ان «الزيادة الملحوظة في أعداد المحللين السياسيين، فرضتها الظروف منها عدم وجود مؤسسات تنظم هذه النخب المثقفة لخدمة البلد، وعدم وجود مقاييس محددة لتعريف المحلل السياسي في البلد، فضلا عن ان المؤسسات الإعلامية بالعراق تابعة للأحزاب وغير معنية بالنوع بل مجرد صوت يهتف لها».
كما يشير الهاشمي الى «عدم وجود مقاييس للنجاح والفشل في أي مؤسسة إعلامية بما في ذلك التابعة للدولة، لذا فان تنظيم استضافة المحللين السياسيين غير محكومة بضوابط العمل المهني».
 
قاسم العبودي: الأدلجة
يقول الكاتب السياسي قاسم العبودي لـ»الصباح» ان «الانفتاح الإعلامي الذي جاء بعد ٢٠٠٣، أخرج مكنون الصدور لدى بعض المحللين السياسيين ممن يحسب على التحليل الحيادي، فضلا عن ظهور أحزاب عديدة، عملت على الأدلجة وفق المنظور الحزبي». 
ويؤشر العبودي على «مَنْ سقط في وحل التحزب وهناك من لم ينجرف مع أمواج الحزبية، لكن التجربة بكل معطياتها كانت جيدة، لأنها أفرزت أقلاما ومحللين على مستوى عال، وأن كانوا قلائل». 
يقترح العبودي «الوعي والتدريب، واستشعار الوطنية كفيلة بأن تشذب من شذ في تلك العاصفة الإعلامية التي غزت العراق بعد سقوط النظام السابق».
 
نزار حيدر: شروط النجاح
الكاتب والباحث نزار حيدر، يُذكّر في حديثه لـ»الصباح» بان «للتحليل السياسي السَّليم شروطا، منها المعلومة الصحيحة، الثقافة السياسيَّة، المتابعة، الرُّؤية، اللغة السياسيَّة، الحيادية، حريَّة التَّعبير، ولكل شرط من هذه الشروط تأثير مُباشر في جودة او رداءة التحليل».
لكن حيدر «يتأسف لان أَغلبيَّة المحللين السياسيِّين عندنا يفتقرون الى واحدة او اكثر من هذه الشروط».
يعترف حيدر أيضا بان «حرية التَّعبير صعبة ولا أقول غير موجودة ولذلك فعندما يريد ان يحلل المرء حدثاً يجد نفسه محاطاً بخطوط حمراء كثيرة عليه ان يلتزم بها ولا يتجاوزها».
 
كاظم الحاج: الاتجاهات في العراق
الخبير الامني والسياسي، كاظم الحاج، يكشف عن ان «التحليل السياسي في العراق يسير بثلاثة اتجاهات، الأول هو العلمي العملي، والمؤدلج وهو الشائع وهذا النوع من الناحية العلمية لا يمكن ان نسميه تحليلا سياسيا، والثالث هو الذي ينتشر بشكل واسع الذي يمثله محللو الأحزاب».
يعتبر الحاج ان « اي حدث لا تؤخذ في تحليله النظريات العلمية والتطبيقات العملية ومن بدون معرفة البعد الزمني والجغرافي وطبيعة نظام الحكم وميزان المصالح والجذر الديني، لا يصل الى نتيجة وانما يبقى يدور في دائرة مفرغة، لذلك لم تفك شفرات اغلب الاحداث في العراق.