القاص حسن بلاسم: الكتابة تعني إدراك مسؤولية التراكم المعرفي منذ الكهف حتى اليوم

الخميس 29 آب 2019 413

القاص حسن بلاسم: الكتابة تعني إدراك مسؤولية التراكم المعرفي منذ الكهف حتى اليوم

حاوره من بغداد: حسن جوان
 
حسن بلاسم هو شاعر وقاص وسينمائي عراقي، نال جائزة الأندبندنت البريطانية، وكتبت عنه صحيفة الغارديان بأنّه أفضل كاتب عربي على قيد الحياة. يُعدُّ أشهر كاتب عربي وعراقي في الأوساط الأدبية الاوروبية، وترجمت أعماله القصصية الى عشرات اللغات العالميَّة. تصطبغ كتابات حسن بالدّم وتساؤلات الكائن في خرائب العنف، ويعتمد أسلوباً صادماً ومضمّخاً قادراً على إحداث مناخات متسلسلة من الكوابيس المغرقة في واقعيتها. ولد بلاسم في بغداد وانتقل في سنِّ مبكرة مع عائلته الى كركوك لينشأ فيها حتى مطلع شبابه إذ قررت أسرته العودة الى بغداد إثر الاحداث القمعية الدامية التي تعرّضت لها المدينة على يد النظام الصدامي الغاشم. التحق بكلية الفنون قسم السينما وأنهى دراسته وسط مضايقات شديدة استمرت سنوات حوصر بها وعائلته من قبل أزلام النظام. بعد تخرجه شعر بحتميّة مغادرته العراق وسط أقسى ظرف لأوضاع البلد، وبجيوب فارغة تماماً. انتقل ولمدة أربع سنوات مشياً على الأقدام بين محطات ومدن تمثل الخط العمودي بين بغداد وفنلندا، ليستجمع قواه ويخطط للحدود والمدينة المقبلة في رحلة عجائبيّة تعرض فيها لشتى أنواع الأذى والضيق والتشرّد. لكن إصراره السحيق دفعه للوصول الى الأرض الآمنة التي انطلق منها الى فضاءات الحرية والابداع. إتصلنا به في مقرِّ إقامته في فنلندا فكان هذا الحوار الخاص بـ “الصباح”:

* كيف يمكنك التحدث عن البشاعة في نص قصصي وتخرج في النهاية بحصيلة جمالية تدهش العالم؟
- أسئلة الأدب هذه وبضمنها كيف يكتب الكاتب غالباً ما أتعرّض لها بشيء من الطرافة عندما أكون ضيفاً على أحد المهرجانات الدولية، كما حدث في مهرجان برلين حينما واجهني سؤال كيف تكتب؟ ببساطة أجبت: إنّني أفتح اللابتوب وأكتب! ما أعنيه هنا أن مثل هذه الأجوبة تخص الفئة الأكاديمية التي تعنى بتحليل أدواتك. لكن ما هو أكبر تحدياتك في كتابة الأدب؟ أعتقد أنّ العملية تتعلق بإدراكنا أكثر من ثيمة الموضوع نفسه، على سبيل المثال إنّ قضية العراق الرئيسة هي العنف، كيف يمكن أن تكتب عن البشاعة وأتذكر في أوائل مرحلة ما بعد 2003 قيل لي إنّ من المبكر الكتابة عن البشاعة الحاصلة آنذاك، وهذا يخالف وجهة نظري عن تسارع الحدث في كل العالم، وأنّ على الكاتب والفنان أن يواكب فوراً ويتحدّى هذا الكم من العنف ويقول فيه كلمته دون انتظار أن يمضي زمن كافٍ لإنّني أؤمن أن مثل هذا الاعتقاد قد مضى وأصبح قديماً وسط ظروفنا المتسارعة بجنون. وعي الإنسان بالحدث مهما كان يفوق الخيال - في العراق غالباً- وإمساك أدواتك في عملية الكتابة، وضبط الإيقاع والتتابع كلها عوامل تقع في جوهر الكتابة، وقد أفدت من دراسة السينما وإيقاعاتها ومشهديتها كثيراً في كتابة قصصي في غالب الأحيان. لذلك معظم قصصي تصلح لأن تتحوّل الى أفلام لاشتمالها على عناصر الصورة وعدم اعتمادها على بلاغات اللغة والحفر فيها. أدخل مباشرة الى الحدث وثائقياً ثمّ يختلط بالخيال والفنتازيا. أكتب بمسؤولية شخص يُدرك أنّ هنالك تراكما معرفيا بشريا منذ الكهف الى يومنا هذا وتجارب أدبيّة لم يكن السرُّ فيها تعلّم امتلاك أدوات وإنّما ادراك مسؤولية امتلاك هذه الأدوات.
* من المعروف أن جائزة الإندبندنت تُمنح للأعمال الروائية لكبار الكُتّاب، كيف وافق أن اختار القائمون عليها أعمالاً قصصية لأول مرة لكاتب عربي –عراقي تحديداً- لينال هذه الجائزة المرموقة؟
- القصة القصيرة في كل العالم في مشهد السرد الآن تعدُّ متراجعة مقارنة بالرواية التي تسيّدت بشكل شبه تام لاعتبارات التسويق لدى دور النشر العالمي والعربي وتحولها الى “بزنس” وترشح العديد من الروايات الجيدة للإنتاج السينمائي وهذا يعني دخولها عوالم الأرباح والشهرة الواسعة. عندما حصلت على جائزة الإندبندنت البريطانية عن مجموعتي القصصية كانت هي المرة الأولى التي يحصل فيها كاتب عربي على هذا التقدير العالمي، ولأول مرة أيضاً يتم منحها للقصة القصيرة، وهذا ما أحدث اهتماماً كبيراً ومستحدثاً في ما يخص كتابتي وأيضاً مثّل نقلة كبيرة في الاهتمام والالتفات الى كاتب عراقي يسكن اقصى الشمال في فنلندا. 
* هل تعتقد أنَّ السرد العربي واكب حمم واقعه المتفجِّرة في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص؟، وهل أنّ السارد العربي والمثقف أسهما في إيصال اعتراضاتهما على ما يجري من فوضى دمويَّة؟
- السرد العربي أولا يتسم بالبرود، رغم كل هذه المجازر والمآسي والبراكين التي يزخر بها الواقع العربي، ولنذكر هنا صدمات الأدب الأوروبي والفنون والفلسفات التي تلت الحرب العالمية الثانية، إذ أنتجت تلك المرحلة مفكّرين وكتاباً كباراً، وهذا ما لم يحدث في الساحات العربية مقارنة بحجم تحدياتها وواقعها الملتهب.
ثانياً: على الكاتب أن لا يخجل من مأساته وأن يكون له إدراكه العميق لما يحدث، فـ “الحرب والسلام” هي قصّة إنسان أولاً، وهي أنموذج لحرب تسافر من مكان في الأرض إلى آخر، ربّما تقيم أطول في بلد مثل العراق لكن فترة السّلام تمرُّ أيضاً. عندما أكتب عن العنف لا أتوجّه الى وصف سيارة مفخخة في الأسواق فهناك عنف في القرون الوسطى ومشاهد نقلها التاريخ وبعض الروايات لا تقل عنفاً ودمويَّة، بل إنَّ وعي العنف والتفكير به كثيمة داخل الانسان نفسه تقود الى تساؤل: هل هي صفة كارثيَّة ستودي بالبشرية جمعاء يوماً ما، هل العنف هو مصير شخصي أم جماعي؟ انا أطرح الأسئلة التي أبدؤها بالكتابة عبر حوار داخلي وليس بحثاً عن ثورة لإيقاف العنف أو تحليله، وهذا ما يحدوني الى التعامل مع الكتابة على طريقة الفنان، وأطيل التأمّل لأشهر عديدة في كل قصة أكتبها ربّما لا أبدأ عادة وأدعُ اللغة تقودني لأنّني لا أميل الى اللغة بحد ذاتها، وإنما أجنح الى المخيلة السينمائية مرة أخرى في البناء ومراقبة المشاهد وحركة المخيلة... 
* كيف تثري محنة الكاتب تجربته الحياتية، وهل أفدت شخصياً في توظيف هذه الحياة العجائبية التي عشتها متنقلاً بين سجون الملاجئ وإصرار انسان مشى على قدميه من بغداد الى فنلندا لاربع سنوات متتالية؟
- هنالك سجون في الكتابة العربية، ربما أولها أن الكاتب نفسه لا يمتلك تجربة حياتية عميقة، ومن يعتقد من الكتّاب بأنّ محنته الحياتية واليومية وسط حروب ومخاطر ساحقة قد تعني انه أصبح ذا تجربة فهو مخطئ، لأنّ المشاكل هذه لا تصنع تجربة حياتية وإنسانية عميقة بل تجعل من الفرد مستنفراً للبقاء على قيد الحياة كذاك فكرة تراكم القراءة لصناعة ثقافة حالها حال سابقتها من الفهم المغلوط. التجربة الحياتية تحتاج الى فترة سلم وتأمّل لدى الكاتب في الغالب، وهذا ما حدث لدى الكتّاب الأوروبيين بعد الحرب إذ أنتجوا أدباً يعبِّر عن تجارب إنسانية عميقة. اللغة هي سجن بالنسبة الى الكاتب العربي وهذا صراع بحد ذاته فضلا عن مجموعة التابوات الأخرى، ولا يمكن للأدب العربي أن يقف على قدميه ويتخطى محليته دون حرية التعبير. سجون التابوات هذه تقتل الأدب وتقمع أي عملية تطوير فيه، السلام أكبر مختبر للمخيلة، على نقيض الحرب، الكاتب بحاجة الى هدوء لتأمّل ذاته والعالم معاً، لا أن يكون وسط المعركة مربكاً ومتصارعاً من أجل وجوده المهدد في كل لحظة. 
* هل يشكل لك التنوع في أشكال الكتابة بين القص والسيناريو والمسرح إشكالاً ما، أم أنّه يمثل مزاجاً او متعة مرنة في إلباس أبطالك أزياء مختلفة في كل حفلة للكتابة؟
- كثيراً ما أتعرّض لذات السؤال من قبل بعض الزملاء هنا، كيف تنتقل بمرونة من كتابة القصة الى المسرحية والسيناريو وهكذا؟ أقول: إنّ تغيير الشكل بالنسبة إليَّ ليس عملا صعباً، لأنّ هذه الأشكال قابلة للتعلّم وإتقان أدواتها ببساطة، لكن السرّ في الموضوع كما أعتقده في نفسي هو أنّني حكواتي في الأساس، أنا أعشق القصص والحكايات، فنحن سلالة ألف ليلة وليلة وورثنا الحكي وهذا ما نعرفه بمهارة....
* تعُدّك الأوساط النقدية الأوروبية أفضل كاتب عربي حيّ. هل شكّل حضورك بهذا العنوان مسعى أو فضولاً لدى القارئ أو الناشر الغربي للتعرّف على المزيد من الكتاب العراقيين والعرب؟
- إحدى حسنات العراقيين والعرب أيضاً أنّهم يطّلعون على نماذج الأدب العالمي وكذلك على أدبهم، وإن كانت ترجمات لنماذج تعدُّ قديمة ولا تأثير لها على المرحلة الحالية أو لا تعبّر عن المنتج الأدبي والثقافي الأوروبي حالياً لكن هذا لا يحدث في المجتمعات الأوروبية، فهم لا يستقبلون شيئاً من خارج آدابهم إلّا ما ندر في السنوات الأخيرة. وهذا الموضع أسمّيه جزءاً من نضالاتي كعراقي وحيد في كثير من المهرجانات العالمية لإيصال الأدب العراقي وبعض التجارب العربية الى الناشر والقارئ الأوروبي، وقد ساعدتُ كثيراً كتاباً عراقيين وعرباً في ترجمة أعمالهم في هذا النضال المستمر الى اليوم. 
* هل تقع على الكاتب مهمة توظيف فهمه للواقع وتحليله عبر نصّه؟، هل يجوز له أن يقدّم نفسه عبر هذا الموقف؟
- الكاتب لدينا عربياً يحاول أن يتحدث عن منجزه بطريقة نقدية، يحاول أن يحلل ويصف ويبرر، وهذه ليست مهمّته، الفهم من وجهة نظري الآن يكمن في تطوير تجربته الحياتية وتنمية أدواته. انا لا استطيع الكتابة دون أن أرقب باستمرار ما يحدث في السينما وانحسار القراءة وإنضاج فهمي عبر حزمة أخرى من المشاهدات والملاحظات الدائمة. وحتى عندما أكتب عن العنف أكتبه بطريقة تشعر القارئ الأوروبي بالجاذبية نحو عناصر فيه مثل النكتة السوداء مثلاً، وهذا التوظيف بالنسبة لواقع عشناه بكل كوارثه المتلاحقة هو نوع من الأمل حاله حال السخرية التي نبعث عبرها روحاً حقيقية او متوهّمة بوجود نافذة ما ولو صغيرة يمكن التنفس منها. وهذا شائع لدى العراقيين بشكل خاص. دعني أقرن  لك الأمر بتشبيه بسيط، فأنا أعتقد أن كوابيس الإنسان ومشاعر الحب لم تتغير في قصائد الحب إنّما الميلودي هو ما يتغيّر دائما بين زمن وآخر وشعب وآخر، أنا أكتب عن العنف بميلودي مختلف وهذا اختيار شخصي كمغايرة، وهذا ما أحفر فيه كمنطقة اشتغال.
* إلامَ تعزو قلّة الاهتمام بكاتب مثلك نال إحدى أفضل الجوائز العالمية في الأوساط الثقافية العربية، كما يلاحظ ندرة أو منع كتبك في العديد من تلك البلدان؟
- في ما يخص الانتشار عربياً فهو يتحقق عبر قنوات معروفة منها معارض الكتب العربية على مدار العام، وأنا كشخص مبدئيّ لا ألهث خلف حضور معارض في دول قمعيّة يعرف العالم كلّه أنّ سجونها تضطهد شاعراً من أجل قصيدة أو ناشطاً من أجل رأي، وظيفة الكاتب أن يكون مدافعاً إنسانياً ضد كلِّ قمع فردي او جماعي في أي مكان من العالم وخصوصاً في البلدان العربية، وليس مهمته ان يركض في المضائف العربية للتحدث عن تجربته وتوقيع كتابه ويسكت عن دولة تضطهد شعبها او مثقفيها. الوظيفة هنا وفهمها مختلف جذرياً بين الوسط الذي أعيش فيه والمهرجانات العربية التي أدعى إليها فأقابلها بالرفض القاطع. كذلك أرفض الترشّح لنيل جائزة وانا أعلم أن زميلاً لي مسجون في تلك الدولة التي تتبنى هذه الجائزة، وهذا موقف أخلاقي ثابت لديَّ. هذا وغيره وانتقادي الصريح لتلك الأنظمة دفاعاً عن المثقف أدى بشدة الى منع كتبي في غالب الدول العربية ومكتباتها وحدث ذات الشيء في المعارض المقامة سنوياً، إذ أزيلت كتبي فوراً ومُنعت من العرض. طبعاً أستثني العراق بلدي الذي يتمتع الآن بحريّة كبيرة تفوق أغلب البلدان العربية وتقل فيه سلطة الرقيب. أمّا في الفترة الأخيرة فإنّي أرقب بعض المرونة في البلدان العربية في حضور كتبي، جاءت كانعكاس لاهتمام الصحافة والأكاديميات الغربية بقصصي خصوصاً بعد نيلي جائزة مهمة وكتابة نقاد كبار مقالات وآراء مهمة عنّي. 
* في الفترة الأخيرة أطلقت مشروعاً عراقياً رائداً للتعريف وتوثيق أدب المرأة العراقية الرافدينية، كان اسمه “انخيدوانا” تيمّناً بأول كاتبة في التاريخ العالمي والعراقي الأكدي حصراً.
 هل لنا بإضاءة حول هذا المشروع وما الذي ترنو إليه في المستقبل بخصوصه؟
-انخيدوانا – جدتنا العراقية- هي أول كاتبة في التاريخ وهي رمز عالمي للمرأة الآن. أريد أن أوضح بأنّ صورة المرأة الشرقية جدّا سيئة لدى الغرب لأسباب كثيرة. الواقع هو أن المرأة العراقية منذ زمن دخلت حقول التعليم والثقافة والسياسة. في الغرب تعدّ المرأة مقياساً ثابتاً لتقدم المجتمعات، وربما كان تقديم المرأة العراقية للمجتمعات الأخرى كان همّاً يشغلني منذ زمن، لكن ما دفعني نهاية الأمر هو الأسئلة التي توجه إليّ من قبل تلك المجتمعات حول وجود امرأة عراقية كاتبة أو فنانة الخ. هذا كان يثير حزني لأنني أعلم بوجود كاتبات عراقيات رائعات وشاعرات وفنانات ومشاركات بشكل مبكر والى الان بمساحة ممكنة في الحياة الثقافية. أردت أن أساعد في تقديمهن في واقع يفتقر الباحث بشدة الى أي دليل او عنوان يصل فيه الى تعريفاتهن، وحتى على مستوى الويكيبيديا تعد إحدى أفقر المصادر التعريفية لكتابها ومبدعيها هي الويكيبيديا العراقية. شرعت بهذا الجهد الشخصي وانشأت صفحة خاصة بالكاتبات العراقيات –حفيدات انخيدوانا- مترجمة الى اللغة الإنكليزية وموجهة الى القارئ والناشر الغربي وقد علمت بحدوث اهتمام لافت وانفتاح قنوات اتصال بين الناشرين الغربيين والمكتبات وبين بعض الكاتبات العراقيات، وهذه بداية مبشّرة، والمشروع مستمر لديَّ وأنا مهتم بعمل سلسلة أفلام تجمع بين الوثائقي والمتخيّل تتناول حياة الكاتبات العراقيات من انخيدوانا حتى اليوم، على أمل أن أجد دعماً كافياً من وزارة الثقافة او أي من مؤسساتها الفنية في الفترة المقبلة، وقد فاتحت فعلاً بعض هذه المؤسسات وانتظر أن نقدم شيئاً للمرأة المبدعة في العراق عبر هذا المشروع.