أقليات العراق.. الغرب لا يقدم غير الكلام

الأحد 01 أيلول 2019 157

أقليات العراق.. الغرب لا يقدم غير الكلام
ترجمة: ليندا أدور  تيم ستانلي
 
 
 
يبدو، وعلى الأرجح، أنّ بريطانيا ترحّب بعودة «الدواعش» من البريطانيين أكثر من ترحيبها باللاجئين من المسيحيين أو الأيزيديين. ما يمكن أن يكشف لنا الكثير عن الوضع في العراق، هي، أن اول شخص التقيته، أبلغتني بأنّها على وشك المغادرة. تعمل كموظفة استقبال في «فندق كلاسي» الذي يضم حمام سباحة وساونا وحارسين ببندقيتي كلاشنكوف، قالت بأنّها ذاهبة الى استراليا ولا يمكنها الانتظار أكثر من ذلك، فسألتها: «هل أنت مسيحية؟» فأجابت: «نعم».
النكتة السائدة
بدت الحياة، الصعبة دوما، وكأنّها الجحيم بالنسبة للأقليات الدينية منذ الاجتياح الاميركي للعراق ربيع العام 2003. فبعد سيطرة عصابات داعش الارهابي على مدن سهل نينوى شمالي العراق خلال صيف العام 2014، وُضِع المسيحيون هناك أمام خيارات التحول الى الاسلام أو الموت أو الرحيل. على إثر ذلك، فرَّ الآلاف منهم نحو اقليم كردستان، ومع هزيمة عصابات داعش بعد ثلاث سنوات من حرب العراقيين ضدها، بدأ بعض المسيحيين العودة الى ديارهم، لكن لا يزال هناك توجه بالنزوح الى الخارج ليختاروا استراليا أو كندا، ولكن ليس الولايات المتحدة، التي، استقبلت عددا أقل من المسيحيين خلال عهد الرئيس ترامب، مقارنة بإدارة سلفه الرئيس باراك أوباما.
كما لم يرجّح المهاجرون بريطانيا، التي عرف عنها وضعها العراقيل أمام منح تأشيرات الدخول. والنكتة السائدة الآن هي: «لماذا لا تستقبلنا بريطانيا؟ هل لأنّنا لسنا من الدواعش؟».
 لكن هذا الأمر لا يدعو للضحك، اذ عاد الى المملكة المتحدة ما يقرب من 200- 300 من البريطانيين الذين قاتلوا ضمن صفوف عصابات داعش. على النقيض من ذلك، رفضت بريطانيا منح تأشيرات دخول لثلاثة أساقفة من العراق وسوريا، كانوا يرومون حضور تكريس إحدى الكاتدرائيات في لندن خلال العام 2016، بحجة أنّهم فقراء وتخشى من عدم عودتهم الى بلدانهم، بحسب ما ذكر بيان لوزارة الداخلية البريطانية بشأنهم.
 
الديمقراطية سلاح
حضرت الى العراق للقاء المسيحيين فيه، وتلقيت معها دعوة لمقابلة شيخ الأيزديين، شيخ بابا، وهو شيخ مبجّل يتوسّط الثمانينيات من العمر، وقد بدا عليه التعب، فترك إدارة الحوار لولده وشقيقه، وجاء الحوار، كحاله مع جميع العراقيين، 
قويا. 
يقول ابن الشيخ بابا: «ان الوضع سيء للغاية»، فالغرب لا يقدم سوى «الكلام»، وهذا ليس عدلا على الاطلاق، اذ انفقت بعض الأموال من قبل الولايات المتحدة، بينما تواجه هذه الأقلية أزمة حقيقية. فالعراق الذي يعد منطقة كانت تضم نسيجا لمختلف الثقافات عبر آلاف السنين، يشهد اليوم تطهيرا عرقيا من خلال انعدام الأمن والفقر، وهي كارثة عملت على توحيد المسيحيين والأيزيديين. 
يختتم شقيق شيخ بابا الحديث بقوله إن الديمقراطية لا يمكن لها ان تنجح، فكأنّك تُعطي سلاحا لطفل». 
أحسست بأنّني رجل محظوظ، لأنّني امتلك منزلا جميلا، ومحظوظ لأنّي امتلك جواز سفر يمكنني السفر به الى أي مكان بالعالم، ومحظوظ لاجتيازي، سالما ودون أذى، نقاط التفتيش التي قادتني الى نينوى، المنطقة المتنازع عليها. كان مرورنا سريعا بفضل وجود ضابط كبير معنا في السيارة برتبة لواء، كان يرتدي بذلة أنيقة، ويدخِّن كثيرا، وفي بعض الأحيان، يطلب منّي تصوير بعض المناظر».
مع دخولنا الى نينوى، التي سبق وان كانت معقلا لعصابات داعش، اشار الدليل الذي برفقتنا الى مبنى وقال: «تلك هي البناية التي ألقى منها أفراد العصابات بعض الأشخاص»، توقفت السيارة ونزلنا لإلقاء نظرة، وكان المبنى قد دمّر بالكامل ولم تبقَ سوى أعشاش الطيور من أسلاك الفولاذ، فالتقطت صورة للمكان.
 
ندبة أبديَّة
أُزيلت الجثث وأكوام الشعر الغريبة (حلق مسلحو عصابات داعش لحاهم وسط حالة الذعر التي انتابتهم اثناء انهزامهم) التي خلّفتها عصابات داعش عندما نجحت القوات العراقية بتحرير الموصل، لكن المدينة القديمة لا تزال عبارة عن ركام. هناك حياة بين الأنقاض- محلات وسيارات أجرة- لكن لا وجود للمسيحيين فيها. 
بعدها، ذهبنا لتناول طعام الغداء في منزل احدى العوائل المسيحية، وبينما كنا نأكل، تقدم نحوي صبي صغير بعينين سوداوين جميلتين، ليُريني ألعابه وكان الضابط يأخذ قيلولته على الأريكة. يبدو وكأنّه مشهد طبيعي، لكنّه ليس كذلك، فقد تصدّى مسيحيو وأيزيديو ومسلمو العراق للنار ونجوا منها، غير أنّ ما قاسوه وما يعرفونه، ترك ندبة عليهم والى الأبد. فالغرب مدينٌ للعراق أكثر بكثير من مجرد «الكلام». هنا استفاق السيد اللواء وصاح: «إنهض، حان وقت الذهاب».