النفوس المريضة

الاثنين 02 أيلول 2019 132

النفوس المريضة
حسين الصدر 
- 1 -
في العام 1387 هـ - 1967 م، وفي المرحلة النهائيَّة من دراستنا الجامعيّة في كلية الحقوق ببغداد، تبلورت عندي فكرة الالتحاق بجامعة النجف الأشرف بعد التخرج، والانخراط في مسلك الآباء والأجداد.
 
- 2 -
وكانت المرجعيَّة العليا آنذاك متمثلة بالإمام آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم – قُدِّسَ سِرُّه-، ولكنّ الإمام آية الله العظمى السيد الخوئي كان يُسمَّى (زعيم الحوزة العلميَّة) باعتباره أكبر الأساتذة فيها، ثم آلت إليه المرجعيَّة العليا بعد وفاة الإمام الحكيم سنة 1390 هـ/ 1970 م. 
واتفق انَّ الإمام الخوئي –رحمه الله – وصل الى بغداد للعلاج في تلك الفترة، وسعيتُ لزيارته بعد زيارة السيد الوالد والسيد العم – رحمهما الله – له، وكان السيد الوالد العلاّمة السيد محمد هادي الصدر قد أخبره بعزمي على الالتحاق بالحوزة العلميَّة في النجف فَسُرّ بذلك، وحين زرته سألني قائلاً:
“أنتم تدرسون الفقه بِعَيْنِهِ”؟
قلت:
المعاملات وأعني البيع والإجارة...
مضافاً الى الأحوال الشخصية – بكل ما يتعلق بها من زواج وميراث وأوقاف ووصايا... –
لقد كان كاتب السطور الجامعي الأول من العراق الذي يدخل الحوزة العلميَّة في النجف الأشرف ومن هنا جاء الترحيب والاهتمام المكثّف به.
 
 - 3 -
وحدّثني صديقي وزميلي المرحوم الدكتورالسيد داود العطار – وهو من مفاخر رجال الفكر والأدب – عن حوار جرى بينه وبين أحدهم حيثُ أخبره بعزمنا على الالتحاق بالحوزة العلمية بالنجف الأشرف بعد إكمال دراستنا في كلية الحقوق، فسارع هذا الى القول:
إنه يريد أنْ يكون قاضياً،
فجاء جواب الدكتور العطار قوّياً ألقمه حجراً حين ردّ عليه:
إنه لا يحتاج الى الدراسة في الحوزة ليكون قاضياً..
فخريج كلية الحقوق يستطيع أنْ يكون قاضياً.
والمهم:
إنَّ هناك بعض النفوس المريضة التي تأبى الاعتراف لأحد بميزة أو منقبة وكل ذلك ناشئ من ضيقٍ في الأفق، وعُقَدٍ في النفس، واختلالٍ في الطبع، وسوءٍ في الأخلاق.
 
- 4 -
المرحوم الدكتور السيد العطار صاحبُ لطف وخُلق وصِدْق في الاخاء.
فمما قاله في كاتب السطور:
(حسينُ) تفرّستُ في طَلْعَتِكْ 
فبانَ لي النبلُ في مُقْلتِكْ
وانّ يدَ الله اذْ صَوَّرَتْكَ
أشاعتْ سنا الخيرِ في صورتِكْ
وقد صودرت القصيدة مع ما صودر مِنْ وثائقنا وما ضمّتْهُ مكتبتُنا بمخطوطاتها ومطبوعاتها على يد جلاوزة الدكتاتورية الغاشمة البائدة.
 
- 5 -
وحين اعتمرت العمامة في صيف 1967 قرر السيد العم المرحوم آية الله السيد إسماعيل الصدر إقامة حفل خاص بالمناسبة، وممن دعي للمشاركة فيه هو المرحوم الدكتور السيد العطار فأعد قصيدة رائعة من ستين بيتاً،
جاء فيها:
(فَحُسينُ) ما لبس العمامةَ
كي يجلله الدثارْ
لكنْ لِيَثْأَرَ للعقيدةِ 
مِنْ عِداها ألفَ ثارْ
وهي قصيدة موّارة بعبق الفكر والأدب، وقد صودرت هي الأخرى ضمن ما صودر منا من كتب ومخططات ووثائق.
 
    - 6 -
ما أبعد الفرق بين المرحوم الدكتور السيد داود العطار وبين مُحاوِرِه اللئيم الذي لم يُطق السكوت وبادر الى التعليق السلبي الكاشف عن اضطرابه النفسي والأخلاقي..!!
ولو كان الناس جميعاً من ذوي المناقب والمكارم لما خلق الله النار..
والمهم الحرص على الموضوعيَّة، والتمسك بأهداب الأخلاق، بعيداً عن النزعات الشيطانية الخبيثة، والضغائن المقيتة.. والله العاصم، وهو الهادي الى الصواب.
 
Husseinalsadr2011@yahoo.com