هـل يـسـتـطـيـع تـرامب إطـفـاء نـار أشـعـلـهـا ؟

الجمعة 06 أيلول 2019 164

هـل يـسـتـطـيـع تـرامب إطـفـاء نـار أشـعـلـهـا ؟
إيشان ثرور 
 
ترجمة: أنيس الصفّار                                             
كان من الغريب بالنسبة لحمائم اليسار أن يجدوا أنفسهم في الخندق نفسه مع "تاكر كارلسون" بشأن قضية ما، أيّاً تكن. مقدم البرامج هذا من شبكة "فوكس نيوز"، المنتمي الى الجناح اليميني والمعروف بمجاهرته في تأييد القوميين البيض، كان أحد المتشككين الذين سعوا شخصياً الى إقناع الرئيس ترامب بعدم شن ضربة عسكرية على إيران مؤخّرا. فبعد أن أسقطت السلطات الايرانيّة طائرة استطلاع أميركية بلا طيار فوق مضيق هرمز، وضع البيت الأبيض خطة للرد بفعل انتقامي، وأفادت التقارير بأنّ شخصيات كبيرة في الادارة على رأسهم مستشار الأمن القومي "جون بولتون" ووزير الخارجية "مايك بومبيو" كانوا شديدي الحماس لردِّ الضربة. 
على اثر ذلك أعدت خطة للهجوم، ولكن ترامب ظهر بعدها على مواقع التواصل الاجتماعي وأخذ يُهنئ نفسه لأنّه شدَّ عنان الجيش الأميركي، الذي كان "معبّأً وجاهزاً للانطلاق" على حدِّ تعبيره، قبل أن يسدد ضربته الى اهداف إيرانية.
 
يبدو أنّ وجهة نظر كارلسون، المتمثلة بأنّ القاعدة القومية المؤيّدة لترامب غير متحمّسة للانجرار الى تورطات عسكرية خارجية جديدة باهظة التكاليف.. إن لم نقل معارضة لها كليّاً، كانت تجثم على ذهن الرئيس حينها.
أشار ترامب الى أنّ الأسلوب الأنجع والأقوى تأثيراً هو أن تواصل الولايات المتحدة حملة ضغوطها الحالية على إيران، بما فيها صفعها بمزيد من العقوبات الاقتصادية. 
ثم قال ترامب متحدثاً الى الصحفيين: "أنال كثيراً من الثناء على ما فعلت. ما أقوله هو أنّنا لدينا كثير من الوقت"، منوّهاً بقراره بإيقاف الهجوم الذي كان سيؤدي الى ازهاق أرواح إيرانيّة. مضى ترامب قائلاً: "كان الجميع يقولون إنّني داعية حرب، والآن يقولون إنّني حمامة سلام، وأنا أقول أنّي لستُ أيّاً من الاثنين، فلم تعجبني فكرة إسقاطهم عن غير قصد طائرة مسيّرة ليس عليها بشر، فنردّ عليهم بقتل 150 شخصاً".
 
يرفض الحرب!
كما وجّه ترامب تعنيفه لبولتون علناً بسبب ما وصفه "مواقفه المتصلّبة وعقليته الشرسة". ويقال ايضاً أنّه عبر عن تذمره خلال مجالسه الخاصة من مجموعة المتشددين ضمن دائرته الداخلية، إذ قال لأحد ثقاته، وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال، عن مستشاريه: "هؤلاء يريدون دفعنا الى الحرب، وهذا أمر مثير للاشمئزاز، فنحن لسنا بحاجة لمزيد من الحروب".
من زاوية معيّنة نجد الرئيس مصيباً، فهو ليس داعية حرب كما انه ليس حمامة سلام، فلو أنّ الأمور جرت على هواه لكانت وطأة الولايات المتحدة العسكرية على الشرق الاوسط أخف، ولكانت اعتمدت بشكل أقوى على حلفائها في الخليج وتركتهم يتولون تنفيذ أجندتها الاقليمية. ولكن رغم كلّ تأكيدات ترامب بأنّه يُعارض الحرب فإنّه يبقى الطرف الذي يُكدّس البارود الذي يُهدد بعواقب خطيرة.
المواجهة بشأن ايران ليست سوى الحدث الأقرب بالنسبة للعبة ترامب التي يحاول فيها الظهور بمظهر مشعل الحرائق ورجل المطافئ في الوقت نفسه. فحالة التوتر الراهنة كانت نتيجة مباشرة لنقض ادارة ترامب بنود اتفاقية إيران النووية واعادة فرض العقوبات ووضع اجراءات اخرى للضغط على طهران. كل ذلك اتخذ مجراه خلافاً لرغبة أوروبا ووسط احتجاج أغلب مؤسسات السياسة الخارجية الأميركية.
كتب "جاك شيفر"، وهو من مجلة بوليتيكو، يقول: "لعبة ترامب المعتادة هي أن يلقي غطاء تمويه على مشكلة اصطنعها بنفسه لمواراتها ومن بعد ذلك يُعلن النصر، ولكنّه لاحقا أضفى على فنّه الدرامي بُعداً انجيلياً. فقد ظهر لنا في بداية الأمر متقمِّصاً مظهر إله الانتقام ووجه الأوامر بمهاجمة إيران ثأراً منها على اسقاطها طائرة استكشاف بلا طيار قيمتها 200 مليون دولار تابعة للبحرية
الاميركية. 
بعد ذلك غاصَ وسط دولاب الملابس ثم عاد الينا وقد غيَّر زيّه مرتدياً عباءة أمير السلام وداعياً لإلغاء الضربة الجوية.
عرضه لم يكن مقنعاً على نحو ما، لا سيما أنّ مستشاريه الشرسين ما زالا ينهجان طريق الحرب. فقد تحدث كل من بولتون وبومبيو بعنف عن إيران وراحا يتعهدان بمنعها من صنع أسلحة نووية، وهو شأن تعتقد الوكالة النووية التابعة للأمم المتحدة، وكذلك اعضاء مجلس الأمن الدائميون، بأنّه قد أمكن تلافيه من خلال الصفقة النووية التي انقلب ترامب عليها لاحقاً ورفضها.
 
جولة شرق أوسطيَّة
ظهر بولتون في اسرائيل جنباً الى جنب مع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، الذي حيّا بدوره "العقوبات الأميركية المعوِّقة" المفروضة على إيران.أما بومبيو فقد تضمن جدوله دوامة عاصفة من المحادثات المتعلقة بإيران في السعودية والامارات العربية، وهما الدولتان العربيتان الأشد تصميماً على مواجهة الجمهورية الاسلامية.
كتبت "كارول موريلو" تقول: "لم يبد بومبيو، الذي اعلن قبل سنة قائمة تضمنت 12 مطلباً للتغيير في إيران، أي بوادر عن لين تعامله مع طهران. فقد استهل رحلته بحملة حامية على طهران مسخفاً السبب الذي قدمته كمبرر لإسقاط الطائرة المسيرة الاميركية واصفاً إيّاه بأنّه طفولي وغير قابل للتصديق".
حاول بومبيو أن يميل بمسار ترامب لسلوك طريق العمل العسكري، وهو يحتفظ بتأثير كبير داخل البيت الابيض. 
فقد ذكر تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" ما يلي: "في إدارة تطحن اعضاء وزارتها طحناً بسرعة تصيب المرء بالدوار لم تنجح سوى قلة من البقاء بقدر ما بقي بومبيو، ولم يحظ اي فرد من هذه القلة بالمكانة التي حظي هو بها، وهذا انجاز لم يتحقق له الا من خلال قدرة خارقة لا تبارى بقراءة افكار الرئيس ورغباته وترجمتها الى فعل سياسي ورسائل تعلن للعامة. كما تمكّن بومبيو من استغلال فراغ القيادة داخل وزارة الدفاع واستمر قرابة ستة أشهر قبل ظهور وزير دفاع مؤكّد".
كذلك نفى كبير الدبلوماسيين الاميركيين المزاعم التي ادعت ان ترامب قد أرسل رسالة الى إيران عن طريق قناة دبلوماسية خلفيّة تُديرها عمان. 
يقول الرئيس إنّه منفتح على الكلام مع طهران ولكن قلة من الخبراء فقط يصدقون أنّ هذه الادارة يمكن أن تسير على الطريق الذي يتيح لإيران الجلوس الى الطاولة.
تحدث سيد حسين موسويان، المتحدث السابق باسم فريق المفاوضين الايرانيين وأستاذ لدى جامعة برنستون، لمجلة أتلانتك فقال: "بتقويضه الصفقة قوّض ترامب الثقة، ومعها اي فرصة لمفاوضات مستقبليّة". ويبدو أنّ التوترات أخذت تعود الى التصاعد مجدداً. إذ كتب "فيليب غوردون"، أحد مسؤولي ادارة أوباما، لمجلة "فورن أفيرز" يقول: "بات من الصعب الآن تجنب التصعيد نظراً لتصميم كلا الجانبين على عدم التراجع.
إحدى الطرق لتفادي الصدام هي مفاوضات نووية جديدة يدّعي ترامب أنّه راغب فيها، ونستبعد موافقة إيران على خوض محادثات مع إدارة لا تثق بها، والاحتمال الأبعد من ذلك بأن توافق على صفقة بعيدة المرامي من النوع الذي يقول ترامب إنّه لازم وضروري".