المكان العاقل في قبضة التنجيم

السبت 07 أيلول 2019 84

المكان العاقل في قبضة التنجيم
زعيم نصّار
 
حداثتنا الأم التي بدأها السياب في الخمسينيات وساروا على خطاه الشعراء من اقرانه، فيها فجوة قاتلة بين الشكل والمضمون، في ما يخص تناولهم لرموز التراث، حيث وضعوا وجه التراث قناعاً على وجههم الشعري، المسيح بعد الصلب مثلاً حيث نجد شكلا حديثاً ومضموناً قديماً، وهكذا فعل البياتي مع نماذجه التراثية. 
وربما بالمجمل  نرى الحداثة في الخمسينيات لم يكن لديها مضمون حديث واع ومتماسك كموقف من الماضي، حتى ادونيس لم ينتقد اخطاء التراث كلها إنما ركز على اخطاء السلطة الدينية والسياسية وتماهى مع اخطاء المعارضة ومجد اعمالها، مثل القرامطة والصعاليك والمتصوفة وغيرهم.
من هنا كان انتباهي لتجربة زاهر الجيزاني الشعرية وفي الأخص في المرحلة الثانية من تجربته لقد كان التاريخ ورموزه على طاولة قصيدته حاضرا، حيث قطّع أوصاله وكشف عن إساءاته وهذا مقروء في كل قصيدة من قصائده تلميحا أو اشارات يلتقطها القارئ، لقد كان حريصا على تطابق حداثة شكله مع حداثة مضامينه.
 
حداثة الشخصيات
 في المكان الخاص
 الشاعر يحدّد مكانه الذي هو فيه، هذا المكان هو حياته نفسها، فيحاول وصفه في قصائده: في المقهى، وفي أسفل الشرفة، وفي شاحنة البطيخ، وفي كيس نايلون أو 17 كانون الثاني، وفي أراضي دانيال، وفي بوسطن، وفي المكان العاقل الذي تهدده كتب التنجيم. يتعقّب مكانه، حداثته لحظة جديدة في متن الحداثة العربية. الأب في مسائه الشخصي اهو أنت، وهو أنا، والشرفة هي شرفتنا، كل شيء سيكون جديدا نسبة إلى حاضرنا ، هذا الزمن المتخلخل المترنح تحت تأثير الصدمة، لكنه سيفوز بالخلاص في الوقت نفسه، هو المبتكر والمحرر الخاسر في حضور آخر، ينتظر حضور البشر في العالم، والبشر في ما بينهم. مستقبل لا يزال غامضاً لكنه حقيقي كالمكان المهدد بكتب التنجيم. كل شيء يقودنا بالضرورة إلى الشعر ذلك أن قدرة الفتح والتحويل لكلام زاهر تكمن في الدرجة الأولى في الخصائص العالية التي يتمتع بها هذا الكلام، وهنا جاء الدور الريادي الذي قامت به قصائده. قصائد تذهب إلى تدمير العديد من الأفكار المسبقة. الحداثة في قصيدة زاهر الجيزاني وكما يقول هو : تنبثق انبثاقاً، انها حركة في الأحشاء، الحداثة ليست خطاً أو نمواً أو تكاثراً، الحداثة حركة تنبثق بقوة من الاسفل الى الأعلى تبعاً لهذا التعقب يكون العراق ( مكاناً بركانياً) يجب النظر اليه بوصفه بركاناً، احشاؤه العريضة الفوّارة مضغوطة بفوهة صغيرة اشبه بباب مقفل، انه العراق أو ( الشرق) مرآة الشاعر الأولى التي يلتقطها تأويله بشظاياها، وأجزائها ثم يصفّها ويرممها ويعيد انتاجها ويصقلها وحين تكتمل يجدها تحمل في اعماقها السنسكريتية التي تحمل على ظهرها الزرادشتية( كتاب الأوفستا) والسريانية تحمل على ظهرها (افكار الإغريق) وكتب التنجيم ومراصد النجوم كأنها محلول كيمياوي يبقّع احجاره الشمالية. وقرب مستنقعات القصب واحواض الرز في الجنوب ثمة آلهة وديانات وجدل يتصاعد في مرآته التي تلتقطها جغرافية المعرفة هذه المرة. هنا ملتقى الشرق أو اطاره لذلك يأخذ هاجس الريادة  شكل البداهة فتجد في شعر زاهر الجيزاني رواداً كبار في كل شيء، تجد: الأب وهو يحمل تاريخه الشخصي بكل عذابه وصراعه، تجد شهاب الدين السهروردي أو الشاب القتيل، أو أنا أنظر بعيني بومة، تجد أغنية للإله مردوخ، والأنبياء المطرودين، تجد سجاح و تجد ابراهيم وفأسه، وكآبة الملوك ، ورجالاً بلا مغزى، تجد الزهاوي، والرصافي والجواهري وعبد الوهاب البياتي، و جعفر ابو التمن، و وديك الجن، وعمر ومعن ووديان تجد شخصيات حداثوية في مكان خاص وشخصي بشكل ملفت، لتغامر معها مرة أخرى، وتتمسك بالعلاقة الثنائية بين الانسان والمكان، تنصهر معها وتنصهر فيها، لتبحث عن المكان الذي تحلم به، وتصبو اليه، المكان الذي احببته وكرهته ولن يغادر ذاكرتك. أن تبحث عن المكان الذي انت فيه للتو، فهذا من أكثر الرحلات مشقة وأقربها الى الفشل المحتوم. فلنعلم أن هذا ليس إطلاقا لكي يدعو للعودة إلى كمال مكان قديم، وإنما يحدد المكان الثاني بوصفه مكان حياة جديدة وكمالاً آخر ووحدة مغايرة. المكان الذي هو معاناة وموت. البحث عن المكان العاقل، المكان الحقيقي، قد أسرّته القصيدة في شباكها. المكان الذي يتحدث عنه زاهر هو ما يتضمن في ذاته القدرة على الذهاب دوماً إلى مدى ابعد ليس المسير سوى انبساط أمل معين، بحث معين عن عالم جديد. المكان مكان صراع وانهيارات نفسية عجيبة وفورات مزاجية غامضة تسببت بها الحروب والأوضاع السياسية والتاريخية والمؤثرات المتنوعة لكننا إذا تغيرنا في سطوحنا، فأعماقنا يجب أن تظل ثابتة. زاهر الجيزاني شاعر أسس وجوده على مجادلة العقول بعقل تخلّص من قوة ظلامه وجال يبحث بقوة عن عمق الهوية التي تقع دائما في الافق ولا تمكث في اللحظة الا بوصفها فانية، هو بحث شعري عن الهوية لا يسعه ان يكتفي بمكان معين لأن المكان الحقيقي دائما يكون مكاناً آخر، عندما نأتي الى هذا العالم ، فإننا لا ننخلع في واقع الأمر عن جذورنا وهذا الوجه الذي سوف نحاول طوال حياتنا ان نلصقه بجلدنا. ما هو أساسي في عمل الشاعر هنا هو ذلك البحث عن الحرية حيث الوجه الذي ينبئ عن نفسه في كل خطوة، ابداعا اكثر منه تكشفاً، نولد حاملين ما يمكن ان نسميه حركة ما، تشظياً داخلياً لوطن لا نملكه كلية ابداً. نحن جميعا بلا أوطان وحريتنا تتمثل في هذه الإرادة المجنونة التي تبغي بناء المشهد الخاص بها. يجب على الشاعر أن يحس  انهيار العالم في داخله وانهيار المفهومات القديمة وان ينزع عن وجهه الحجب التي تحجب عنه الواقع الحي. التجربة الأساسية في الشعر هي في تحويل المصير إلى كينونة  من اجل ذلك يجب أن نقابل أكثر أبعاد النهائية جذرية، الزمن المفتوح الذي يضيّع أفعالنا او يلغيها يقلّص رقعة المصادفات، او يبدد لغز الحياة المحير. في شعر زاهر نبوءة الشعر لذلك فهو متصل بأفكار حول مقاومة الاضطهاد، قصيدته شجبت ظلام الأنظمة الفاسدة بجدارة ودافعت عن حريات
 الإنسان.
 
ثلاثة مستويات
 لكتابة القصيدة
أما في مستويات نظام التقنية الشعرية أو مستويات المهارة فهناك ثلاثة مستويات في تقديري وهي تبدأ من الأسفل الى الأعلى: 
المستوى الاول: يتوسط المستويين الآخرين حيث بينه وبين حدود الشعر  مسافة ليست قليلة  وهو مألوف واضح المعنى  و واضح الهدف وفيه تلاعب محدود في تركيب صور نمطية انها قصيدة المعنى الواضح بامتياز والقراء متفقون حولها وفيها مركز وأطراف ووحدة وهي أكثر إقناعا  للقراء.    
المستوى الثاني يكاد يكون في أقصى الشعر حيث يشتغل الشاعر في منطقة وراء حدود الشعر بتجربة شعرية فريدة  صادمة  خارجة حتى على نسيج اللغة، قصيدة الصورة الاكثر غرابة، نجد هذه التقنية في قصائد صلاح فائق وعباس بيضون وممن ساروا في أثرهم وهي قصيدة خالية من الوحدة العضوية، اجزاء مفككة ومعزولة عن بعضها البعض والمعنى غائب تماماً، فهي قصيدة الصورة الغريبة، هذه هي المادة الكيميائية المحفزة لكتابة قصيدة من مستوى آخر، وكنّا قد اهتدينا إليها بتأثير هذا المستوى المتطرف الذي يُكتب خارج حدود الشعر اليوم فهي ضرورية جداً للجيل الجديد أن يتعلم منها لا أن يقلدها ويستسلم لها لأنها اكتشاف مذهل والأغلبية الساحقة من القراء متفقون على رفضها. 
المستوى الثالث هي قصيدة المستوى الوسطي او الوسط الذهبي  ذات التقنية القائمة على جلب بياض فجر يخالطه خيط من آخر الليل أو بقية منه أقصد تغبيش المعنى والموضوع والصورة، نصف معنى،  نصف صورة، نصف موضوع، لكن أهم ما في هذا المستوى من كتابة القصيد أنها متماسكة وتروي القارئ على مهل فيها تعطيش مقصود والقراء منقسمون حولها. وتلك هي أعمق سمات للقصيدة، التي يبرز فيها المضمون الداخلي والعلاقة بين الاخلاق والتاريخ والفلسفة والعلم. والتناقض بين القديم والجديد، بين الوهمي الغيبي واليومي التاريخي. يطالعنا الشرق في شعره عبر الأمكنة الجغرافية والأسماء والأحياء وعبر مراجع تاريخية وتخوم سرية وأسئلة صادمة في سياق مجازي يجعلها شرقية بصورة مضاعفة ويتضح ايضا من خلال المفردات واللغة الخاصة لثقافة عراقية محددة. من هنا فان شعر زاهر ليس شرقياً لأنه وليد التجربة العراقية، فهو شاعر  يبتكر شرقه الشخصي. وهنا  يكتب الشعر في هذا المكان أجد قصائده الكبيرة و المتميزة.