الكتابة التي تساعد في حذف الفوضى

السبت 07 أيلول 2019 214

الكتابة التي تساعد في حذف الفوضى
عبدالزهرة زكي
 
كيف تكتب، وكيف تختار موضوعك؟
ـــ هذا واحد من الأسئلة التي عادةً ما يتفاداها الشاعر في أيِّ حوار، وغير حوار. واقعاً لا يمكنه الإجابة على السؤال. نحن نجيب عادةً بما نعرف، ولا معرفة في كيفية كتابة الشعر.
التخطيط لخلق ظرف خاص بالكتابة الشعرية هو أيضاً غير ممكن دائماً. المؤلّفون في غير الشعر، ربما بعضهم، يسعون إلى الالتزام بتقاليد خاصة بكلٍّ منهم لأوقات الكتابة، وينجح كثيرٌ منهم بخلق هذه التقاليد والالتزام بها، وينجحون أيضاً باستثمارها لصالح العمل الكتابي. الكتابة مثل أي عمل آخر تتطلب التنظيم والدقة فيه، لكن الشعر شأن آخر من شؤون الكتابة. دقته ونظامه هما مما يحصل فيه، في اثناء العمل فيه، ولا يُتوسَّلان من خارجه.
في بداية حياتي الأدبية قرأتُ شيئاً عن دقة تنظيم نجيب محفوظ لوقته وأمكنته وظروف كتابته وقراءته. قرّرتُ أن أعمل شيئاً قريباً من هذا التنظيم. في اليوم التالي وجدتُني أُغرِق نفسي في (نظام) ملفَّق لا صلة له بي ولا بطبيعة يومياتي واهتماماتي، اختنقت به فانفضضتُ عنه مباشرةً، ولم أعد البتّة للتفكير فيه. النظامُ الحق هو ما ينبثق تلقائياً في حياة الإنسان من حاجة نفسية وعملية إليه ويكون منسجماً داخله ولا خيار له سواه، ما نخطّط له ونرغم أنفسنا على القبول به وبالعيش فيه هو سجن.
واقعاً، بقيت لا أخطّط ولا أعمل من أجل نظام محدَّد وثابت للكتابة. وكان هذا اللا تخطيط، بصيغة ما، تخطيطاً لا واعياً. الشعر هو ما يخلق لحظته، وظرفه، وبالتالي هو ما يخلق (نظام) انبثاقه، وليس على الشاعر سوى الانسجام مع هذه الإرادة متقلّبة المزاج والأوضاع والتقاليد التي يفاجئنا بها الشعر في أحيانٍ هو يختارها.
كان هذا داعياً لأن تكون كتابتي الشعر كتابةً مباشرة، بمعنى أن ليس من ملاحظات أولية مسبقة، وليس من تخطيط لكتابة نص مؤجَّل. القصيدة تُكتب في لحظة ولادتها، الكتابة الأولى هي المسودة التي توضع بخطوط وأوضاع لا يمكن لسواي إدراكها. هذه بعض سرّانية التأليف، وما أن أفرغ من هذا التدوين حتى أنتقل مباشرة، أو بعد حين، إلى وضع القصيدة على ورقة أخرى، وقد تطهّرت من أدران الولادة. المسودات الأولى غالباً ما أتلفها، والقليل المتبقي منها هو مما كنت أسهو عن إتلافه في حينه، هذا القليل ضائع في فوضى المكتبة وما فيها من دفاتر ووثائق، وكلما أعثر على واحدة من المسودات لا أتردد بإتلافها. يحصل هذا أثناء نقل المكتبة وتغيّر السكن أو أثناء بحث، أكون عادةً مكرهاً عليه، عن شيء ما مفقود وأحتاج إليه بمناسبة معينة.
هذا لا ينفي إمكانية العودة إلى بعض النصوص والتعديل فيها حتى وإن كانت نشرت بديوان. فعلتُ هذا كثيراً، النصوص هي بعض مِلكية الشاعر، ولكل امرئ الحق في التصرف بملكيته طالما هو حي. وأعتقد أن بعض الشعراء عملوا ويعملون الشيء نفسه. أدونيس، في الأقل، صرّح بمثل هذا مرةً.
كتبت مرةً في باص للنقل العام كنتُ فيه ما بين البصرة وبغداد. كان الطريق الطويل يمرّ بمطبات، تخسّفات وحفر، كثيرة، وكانت هذه تترك أثرها على الكتابة. كانت معي كتب دراسية، وكنت أكتب بخط  لا يقرأه سواي على صفحة في كتاب دراسي، بحيث لم يشتغل فضول من كان بجواري لمعاينة ما أكتب. وكتبت مرّةً أخرى في ظلام دامس كنتُ لا أرى أثناءه ما أكتب، ولا أدري ما إذا كانت الكتابة تقع على الكتابة.. كتبت في إحدى المرّات، وكنت ماشياً، في طريقي إلى عملي في التلفزيون. لكن مما لا أنساه كان الكتابة في قطار ليلي، ولم يكن معي ورق، أفرغت علبة السكائر مما فيها، نقلتُ السكائر للجيب العلوي للجاكيت، وفتحت العلبة على جانبها الأبيض، فوضعت عليه قصيدةً، استغرقت بكتابتها بحدود خمس دقائق. كان هذا في سنوات الشباب، لقد كان من حسن الحظ أن المقعد الذي بجانبي في القطار كان مشغولاً من قبل سيدة عجوز استغرقت بالنوم حالما تحرّك القطار من محطة المعقل، حيث لا أستطيع الكتابة مطلقاً إذا ما كنتُ مراقَباً من شخص آخر أو بين أشخاص حتى وإن لم يراقبوا. في البيت، وحين كان البيت مجرد غرفة تجمعني وزوجتي والأطفال، كان انتصاف الليل وهجوع الجميع وقتاً مناسباً للظفر بالوحدة، إما إذا حان الشعر في وقت آخر من أوقات تجمّع الجميع بالغرفة الواحدة، فإن الجميع كانوا من الكرم بحيث  يتخلّون لي عن الغرفة، ويُغلق التلفزيون، طيلة ما أنا مستغرق بالكتابة، كانت حيرةٌ ما وارتباك يبدوان عليّ، وكان هذا مؤشِّراً كافياً ليتفهّموا ما أنا محتاج إليه ولينصرفوا، إنه وقت ليس بالطويل عادةً، وبما يخفّف من وطأة الشعور بالذنب نحوهم ــ باستثناء المرة التي كتبت فيها قصيدتي ــ هذا خبز ــ فقد استغرقت مني ومنهم ساعات ــ. وبخلاف هذا فبالعكس، فكثيراً ما كان تفهّمهم يغمرني بسعادة هذه المشاركة الوجدانية العميقة بمحبتها ولطفها.
أكثر ما أحتاج إليه في أثناء كتابة الشعر هو الشعور التام بالوحدة، وهو شعور يتحقق بحالَين؛ حين أكون وحيداً فعلاً، وحين أضطر، بحالات استثنائية، إلى الكتابة بوجود آخرين، إنما بالانفصال التام عنهم وعن وجودهم القريب مكاناً. لا يتحقق هذا الانفصال من دون الظفر بالصمت، وبأيِّ تواصل حتى لو كان بمجرد النظرات. مرات كثيرة يتحقق فيها هذا الانفصال؛ في بعض الأحيان، وفيما أكون مستغرقاً بالكتابة الشعرية يصادف أن يأتي من يستفسر عن شيء معين، واتفاجأ بعد حين، بعد انتهائي من الكتابة، أني كنت قد أجبت عن استفسار لا أذكره بجواب هو أيضاً لا أذكره. هذا شكل أكيد من تحقيق الانفصال ومن التوفر على الصمت اللازم.
من الأفضل أن تكون الكتابة في مكان فارغ، خالٍ من أية زوائد، وجود أشياء فائضة في المكان هو مما يخلق ضوضاء، لكن الشعر والانسجام معه في لحظة تأليفه هما مما يساعدان على عدم رؤية الزوائد وحذف الفوضى كلها.
 
ـــــــــــــــــــــــ
جانب من مقال، تنشر تتمته يوم الأحد المقبل، وهو إجابة على سؤال وجهته دار شهريار لثلاثين كاتباً عربياً، حيث جمعت الدار الإجابات بكتاب يصدر قريباً بعنوان (النظر في المرآة) وبتقديم من الناقد والباحث عبدالله إبراهيم