الغريب ذو المعطف

الأربعاء 11 أيلول 2019 135

الغريب ذو المعطف
عمار حميد مهدي
 
 
هناك عند ناصية الشارع قريباً من عمود أنارةٍ، كان واقفا بهيأته الغريبة يرمقني بنظراتٍ من عينيه اللتين بانتا فقط من خلال قبعة ذات حواف احناها نحو الامام بشكل حاد ، ووشاح عريض اسود تلثم به متلفعا بمعطفٍ رمادي بدا اكبر من حجمه ، لا اذكر انه قد انتابتني احاسيس عند اللقاء بشخص غريب في هذه “المدينة” لتوَّلد لدي مع آلام انتفاخ القولون المزمن و(غثيان) سارترالذي كنت اقرأه في محاولة مني لفهم عبثية هذا العالم مزيجاً مزعجا جدا ، والأمر الأغرب ان الصمت كان مخيما على الطرقات التي خلت من الناس دون ان انتبه الى ذلك مسبقا، فيما الهواء كان مفعما بطبقة خفيفة من الأتربة ، كأن آثاث المدينة كله قد نفض الغبار عن نفسه ، استوقفتني نظراته من خلال القبعة ، مرّت فترة صمت قصيرة لم استطع فيها ابعاد نظري عن عينيه ثم فاجأني...
 - لوسمحت ، كم الوقت الآن؟
نظرت الى ساعتي لكنني اندهشت لرؤية عقارب مينائها قد ذابت بما يشبه لوحة الزمن المفقود لسلفادور دالي !
- لاتندهش ...فالزمن تائه في عالمكم هذا مثل احلامكم!
- من انت ولماذا تقف بالقرب من منزلي؟
اعلم انك متفاجئ بتواجدي هنا أتطلع اليك والى كم التساؤلات في داخلك عن من أكون ؟ ، حسنا سأشرح لك ، انا ادعى حارس الاحلام والذكريات السعيدة ، تلك التي هجرها اصحابها  ظناً منهم انها قد ماتت وذهبت ادراج الرياح الى الأبد ولكنهم مخطئون فأحلامهم تبقى تهيم وحيدة حائرة في كون موازٍ ، ومهمتي هي ان اعثر عليها وأحفظها حتى ينتبه شخص ما الى رحيل احلامه وبرغبة صادقة تدفعه للتفكير المتواصل بأن تعود عندها سترجع اليه عندما يحققها  ، أتجول بطريقتي الخاصة عبر مسالك العواطف والمشاعر والذكريات لجميع الناس في كل مكان وفي بعض الأحيان يستوقفني اشخاص مثلك في هذا العالم لأن فيض تساؤلاتهم الصادقة التي لاتغيب عنهم ابدا يتقاطع مع طريقي الدائم فأتوقف كي أتطلع اليهم واجيبهم على تساؤلات تنم عن رغبة التمرد المتَّقدة في داخلهم.
سأخبرك ان الحياة اصبحت باردة ، نعم باردة لأن العواطف قد تجمدت .. تبلَّدت لاشكَّ في ذلك ، انه برد أبدي منذ ان حل شتاء المشاعر جميعها ... جميع الأحلام والأمنيات... ذهبت وهامت في متاهة كبيرة واصبح الامر فوضويا! بعد ان نسي الناس احلامهم وذكرياتهم وباتوا يسعون خلف مآربهم التي تتوجها الرغبة المادية المجرّدة من الأحاسيس والعواطف، وانت تتسائل دوما في نفسك , اين ولَّت اللحظات الجميلة التي تختزنها انت والجميع؟ ... هل زالت من الذاكرة لتعيد الجميع الى انسانيتهم؟ كلا بل بقيت هائمة الى ان جمعتها وحفظتها  ، دعني أُريك شيئا ، ثم فتح معطفه على وسعه فبدت بطانة المعطف كعارضة او شاشة سينمائية بدأت تعرض لي طفولتي وأوقاتي السعيدة الهانئة والعديد من ألوان قوس قزح ومساحات خضراء تضحك فيها النساء والاطفال وفراشات وطيور أفتقدها الآن تتقافر وتحوم حول الرجل لتعود الى معطفه من جديد ونسمات هواء بارد لطيف ورائحة زكية لنسائم ربيع قد ولَّى تهب من داخل هذا المعطف الغريب الذي اصبح كقطعة او شاشة ملونة وسط محيط الشارع الرمادي الكئيب ، عاد فأغلق معطفه على نفس لتعود الأجواء المغبرة من جديد.
هذه هي احلامكم وذكرياتكم الجميلة التي فارقتكم منذ زمن بعيد ولن تعود هذه الايام واللحظات حتى تعودوا الى قلوبكم التي ذبلت ولم تسقى منذ وقت طويل، لن تستطيع فهم هذا العالم ياعزيزي ولن تعود اليك احلامك ما لم تؤمن بها ...هكذا قال الرجل ذي المعطف، الذي لم يظهر منه سوى 
عينيه!
عدت الى منزلي ولاأعلم هل كنت حائرا مما رأيت ام كنت افكر فيما يقول؟  اقفلت الباب على نفسي عائدا الى عزلتي و توجهت نحو الأريكة التي تقبع بالقرب من النافذة ، حيث كانت رواية سارتر لاتزال ملقاةً عليها منذ الليلة الماضية ، أزحت الستار قليلا ومن بين الزهور الذابلة على النافذة رأيته يحدق بي واقفا قرب عمود الضوء ربما ينتظر حافلة ، او ساحرةً تمتطي مكنسة من القش لتنقله الى مسالكه التي يتنقل بها ، علَّه يعثر على احلام هائمة نبذها اصحابها ليوفر لها ملجأً، او ربما  الى مكان تكون فيه المشاعر أدفأ وغنية بالألوان وضحكات الأطفال التي تمدهم بالسعادة 
المتواصلة.