الروائي نجم والي: دائماً ما أضيف قصّة أخرى إلى قصّة القارئ

الأربعاء 11 أيلول 2019 134

الروائي نجم والي: دائماً ما أضيف قصّة أخرى  إلى قصّة القارئ
حاوره في بغداد: حسن جوان
 
نجم والي روائي وأكاديمي عراقي يُقيم في برلين، حاز جائزة برونو كرايسكي للأدب العالمي العام 2014 عن روايته “بغداد مالبورو”، ولد في مدينة العمارة جنوب العراق، ويُعدُّ أحد أكثر الكتّاب العرب والعراقيين شهرة عالميّة، كتب في الصحافة العربيّة (الحياة و المستقبل)، والألمانيّة (دي تزايت، دير شبيغيل، زوددويتشة تزايتونغ و نويه تزوريشير تزايتونغ)، وصدرت له: “الحرب في حي الطرب” و “مكان اسمه كُمَيْت” و “فالس مع ماتيلدا”  ورواية “تل اللحم” و “صورة يوسف” و “ملائكة الجنوب” وغيرها، كما نقل عن الإسبانيّة مسرحية “خطبة لاذعة ضد رجل جالس” لغابرييل غارسيا ماركيز. درسَ الأدب الألماني في جامعة هامبورغ والأدب الأسباني بجامعة كومبليتينسه في مدريد، غادر العراق أواخر العام 1980 وترجمت أعماله إلى عدة لغات، كما كتبت عنها أشهر الصحف العالمية. إلتقيناهُ خلال زيارته الحالية لبغداد، وكان هذا اللقاء الخاص بـ “الصباح”:

* تواشج لديك فعل الروي بعملية التوثيق التاريخي للحدث في المكان. هل تحاول الإمساك بلحظة مهملة خشية إفلاتها عبر التقادم الذي يطبع الواقع العراقي المحتدم؟
- أعتقد أنَّ هذه ميزة واضحة في أعمالي الروائيّة وأنا أتعاملُ مع هذا التوثيق كمشروع متكامل يمكن أن أطلق عليه تسميه “كتابة تاريخ الجحيم العراقي”، بدأت به في رواية “الحرب في حيّ الطرب” ودائماً ما كنتُ أمسك بالأماكن المهمّشة التي تمتلك تاريخاً معيّناً كان سريع الزوال. “حيّ الطرب” كان حيّاً للغجر يقع في المثلث الجغرافي بين الكويت والعراق وإيران، انوجد لفترة معيّنة إبّان الحرب الأهلية اللبنانيّة في إثر تحوّل وجهة السيّاح الخليجيين الذين اعتادوا لبنان مسرحاً لأصناف متعهم آنذاك، فبنى لهم صدام حسين نوعاً من “لاس فيغاس” قريباً منهم لقضاء أوقاتهم كل نهاية أسبوع. هذا الحيّ تناولته كمعادل للحرب العراقية-الإيرانية، وهو أول بقعة طالتها مدفعيّة الحرب تلك. وهكذا أحدث هذا العمل وقعاً قويّاً بعد صدوره لأنّه يمثّل أول وجهة نظر - رواية- تخالف وجهة نظر السلطة الحاكمة عن تلك الحرب. وهذا المثل يُجيب عن تساؤلك لأنّني أتناول واقعة وأبني عليها الخيال اللازم، بعبارة أخرى أؤسسُ على  fact وأبني عليه fiction.
ولذلك أكرر قولي بأنّ التاريخ تصنعه الأسلحة، بينما الفلسفة تصنعها الأفكار، وهنا؛ فالرواية هي خيالٌ يحوّل التاريخ الى قصص مرويّة، وهنا؛ تنجو من سلاح المنتصر الذي يكتب التاريخ. هناك إذاً اكثر من رواية لحادثة واحدة، وأنا أعتمد على الرواية الشفاهيّة التي يتناقلها الناس في كلِّ المراحل الزمنية أو المكانية ..
 
* هل تعتقد أنّ التاريخ بصفته المجرّدة كتراكم أحداث هو مصاب بشيءٍ من العشوائيّة، ويحفل بالكثير من الحوادث المغيّبة غير المرويّة رسميّاً فيأتي الراوي ليعيدَ كتابتها وإشهارها؟
- الراوي في الحقيقة يُعيد ترتيب التاريخ، وعندما ترجع الى المثل الشعبي الذي يقول “الكذب المصفّط أحسن من الصدق المخربط” تلمح أنَّ التاريخ مهما ادّعى أحدهم أنّه وقائع حقيقيّة فهي وقائع “مخربطة”. خُذْ مثلاً أيَّ حادثة في العراق تجد كلّ طرف يرويها بطريقته، بدءاً من التاريخ القديم والقريب والمعاصر أيضاً. في الرواية تُعيد كتابة وترتيب كلّ وجهات النظر المتباينة تلك بطريقة ستكون أكثر قوّة بالنسبة للقارئ، ومن وجهة نظري كلّ ما يروى من قبل الناس هو حقيقة تاريخية، لكنّني عندما أسحبُ كلَّ ذلك الى فضاء الرواية أطلق بعدها الخيال والفنتازي وحتى النقد أحياناً. لذلك تعدّ رواياتي لدى الكثير روايات صادمة، وقد يفاتحني البعض بالقول: ليست هذه الحقيقة التي نعرفها عن الواقعة الفلانية. هذا النوع من التساؤل والاعتراض بالنسبة لي هو نجاح كبير.
 
*ذكرت مرّة انك تعمل على ذاكرة قوية جداً وهذه الذاكرة بالنسبة لك هي نوع من مقاومة الدكتاتورية اليس كذلك؟
-تماماً لأنّ الدكتاتورية تعيش على النسيان. ففي زمن الدكتاتورية جميع الناس تحاول أن تنسى.. زمن يخاف فيه الشخص من جاره وزميله ويصل الحدّ الى افراد عائلته فالفعل السائد ان يحاول المرء أن يمرر يومه دون أن يلفت نظره أيّ شيء. أتذكر أول مرة زرت العراق في العام 2004 اول ما لاحظت ان جميع العراقيين وقتها يمشون ونظرتهم الى الأسفل، كأن احدهم يريد ان يقول “لا شأن لي” ولا يريد ان يتورّط بما حوله، وهذا نوع من محو الذاكرة ومراقبة الأشياء والخوف من المسؤولية
فالتذكّر مسؤولية وابداع وبالتالي هو حريّة، لذلك الدكتاتور يعيش من النسيان وهو ضدّ الأدب وحرية ان تتذكر كل شي بلا خوف داخلي او خارجي.
 
*هل تعتبر الأدب وفق ذلك رسالة غير رسمية لرواية ما حدث؟
-دائما ما اعتمد على الرواية المضادّة للرواية الرسمية التي لا اثق بها لأن صاحب السلطة هو من فرضها على الآخرين. لذا كنت أحاول ان أهدم الواقعة الرسمية واعيد بناء كل شيء مجدداً وأدعو القارئ بدوري الى البناء معي دون ان اشترط عليه ان يصدقني بشيء فانا أقوم بإضافة قصة أخرى الى قصة القارئ التي يعرفها. لذلك كانت تتباين ردود الأفعال والقراءات لما اكتبه، فمن هو الى جانب السلطة والايديولوجيا من الواضح انه سيرفض روايتي لما يحدث ويعاديه وربما يشتمه. أمّا من يؤمن بمبدأ الشكّ فينطلق نحو البحث ويذهب الى صناعة روايته الخاصة به ويحاكم بنفسه ما قاله نجم والي عن بغداد وكميت والعمارة وتل اللحم مثلاً..
 
*ترددت بغداد ليست فقط كمدينة وانما كمكان حاضن للبناء الروائي لديك والخيال أيضاً، فلديك “بغداد سيرة مدينة” و “بغداد مالبورو” وتردُ كثيراً في مناسبات متفرقة أخرى. ما الذي تعنيه لك كمركزية روائية؟
-طبعاً بغداد حاضرة بقوة في ذاكرتي مثل ما هي حاضرة في أعمالي لا سيما ما ذكرت من مثالين. ما أودّ ان أقول على ذكر “بغداد سيرة مدينة” هو أن العنوان الأصلي لهذا الكتاب هو “إختراع بغداد”!! لكن دار النشر “الساقي” لم توافق على هذا العنوان. وإذا قدّر لي ان اطبع الكتاب طبعة أخرى سأعود الى العنوان الأصلي حتماً، لأن كل بناء هذا الكتاب يستند الى فكرة اختراع بغداد، بمعنى تخيّل بغداد، لأن علاقتي ببغداد علاقة متخيلة فأنا احكي عن الطفل نجم الذي يسكن العمارة وأبوه الذي يعمل بسيارته على طريق بغداد وكان –الطفل- مرتبط بخياله الأول عن أبيه وهو في بغداد، فكنت أبني طرقاً هوائية بفعل المخيلة المتجهة نحو هذه المدينة حتى انتقلنا اليها كعائلة بعد ذلك وكان اعمق ما تعلق في ذهني من اول يوم كان شارع الرشيد الذي كان يرتاده أبي لشراء أسطوانات موسيقية من محل جقمقجي ولذلك كان شارع الرشيد هو كل بغداد بالنسبة لي وما زلت اشعر بألم شديد وانا أراه على هذه الحال اليوم. وبالعودة الى “سيرة مدينة” انا تعمدت ان اكتبها لمن هم ليسوا من بغداد لتكون لهم بغدادهم الخاصة وهذا ينطبق حتى على القرّاء غير العرب بعد ترجمة الكتاب هذا حيث نجح هذا الكتاب في المانيا نجاحاً باهراً على مدى سنتين احتفت به الأوساط الثقافية في برلين خاصة قدمت فيه قراءات متلاحقة، وقد ترجمه الالمان تحت عنوان هائل “بغداد مدينة عالمية” واصرّت دار النشر الألمانية على هذا العنوان. فلا توجد مدينة في العالم تثير الخيال عند ذكرها في المجتمعات الاوربية مثل بغداد.
لذا أرى ان هذا القارئ في أي مكان من العالم علاقته ببغداد هي علاقة متخيلة مثلي وقد اذهب ان بغداد هي متخيلة حتى بالنسبة الى سكانها فخلال بحثي اثناء الكتابة اكتشفت ان بغداد تتعرض لكارثة كل خمسين سنة تقريباً، فيضان.. وباء.. طاعون.. حرب..الخ لكنها مدينة لم تنمح مطلقاً رغم كل ذلك وهذه هي الفكرة التي بنيت عليها الكتاب.
 
*بعض الكتاب العراقيين وخصوصاً بعد هجرة طويلة تضعف علاقته بالمكان العراقي ويبدأ بالانتماء لأمكنة اكثر تمثيلاً لحياته المباشرة، أين نجم والي من هذا الموضوع؟
-انا لا ارتبط بالعراق كنوع من الحنين للأطلال والخرائب، وانما انا مرتبط بالمكان العراقي لانني ارقب تطوراته وتحولاته، ويمكن ان اتحدث عن النقد الألماني اكثر بهذا الخصوص، على اعتبار ان كل رواياتي مترجمة للالمانية، فالنقاد الألمان يتعجبون من نجم والي الذي غادر العراق ل 38 سنة ولا يزال هو “هناك”، وهذا من ناحيتي ليس لعزلة عن الحياة الاجتماعية والثقافية الألمانية بل العكس لانني ادرّس في الجامعة الألمانية ومندمج الى ابعد حد في كل مفاصل الحياة هناك، لكنني اعتقد ان كل رواياتي تدور في العراق لسبب ان هذا مرتبط لدي بوعي سابق قبل ان اغادر، وقت كنت اقراً منذ سن مبكرة ان كل الكتاب الكبار كانوا يكتبون تجارب عن بلدانهم فكانت متعة ومعرفة ان نقرأ لأحدهم ونرتبط بنسيج خفي وكأننا أحد مصائر الشخوص في تلك الروايات. لذا عندما قررت ان اصبح كاتباً مثل أولئك عمدت الى مواكبة المكان العراقي بكل تطوراته حتى وانا اسكن بعيداً جداً عنه، ويستغرب الكثيرون من اطلاعي التفصيلي على كل شيء وكأنني أعيش فيه. 
 
*هل يمكن اعتبارك وسيطاً فاعلاً بين الثقافتين العراقية والألمانية والى أي مدى نجحت كوسيط في هذا الدور؟
-هناك إشكال يتعلق بدور الوسيط دائماً وذلك لانّه يُحمّل أكثر من طاقته في بعض الأحيان. أعتقد أنني بذلت أقصى جهد لإنجاح هذه الوساطة ليس فقط في مجال الترجمة المباشرة عن الألمانية، ولكن عن طريق نشاطات تعريفية كثيرة جدا خصوصاً عندما أجد مناسبة للحديث عن اعمالي الروائية التي تتخذ من المكان العراقي بطلاً اساساً وكذلك الانسان العراقي واظن ان الآخرين بدأوا يعرفون أكثر عن العراق بسبب كل ذلك من ناحيتي كجهد بقدر تعلق الأمر بي من حضور تلفزيوني واكاديمي وتمثيلي للعراق في غالب النقاشات الإعلامية والثقافية.
 
*غالباً ما نجد في مناخاتك السردية نوعاً من توصيف عسكرة الحياة يكون ابطالها جنود وسيارات الجيش وقصص تحكي تلك الأجواء هل لان العراق عاش هذه العسكرة فترة طويلة وانت تجد ثيمات تتوقف عندها كروائي؟
-بعض تلك الخبرات واتتني اثناء خدمتي العسكرية بعد تخرجي من الجامعة، وقد اكتشفت ان الحياة العراقية لا يمكنك التوصل الى فهمها الا من خلال القاعة التي تنام فيها وتسمع شكاوى الجنود وحكاياتهم وقد كان هؤلاء اغلبهم من أبناء مدن الجنوب الفقراء أبناء الفلاحين والعمال كان ذلك في نهاية سبعينيات القرن الماضي، ثم جاءت حرب 1980 التي اسميها بداية خروج العراق من التاريخ فطغى اللون الخاكي على العراق كله، حتى البيوت والمعمار وعادات العائلة ونومة السطح في الصيف اختفت بفعل الحرب والخوف من الأماكن المكشوفة، البيوت أصبحت بلون الخاكي والبيج ولم تعدهناك بيوت ملونة.. الحرب غيرت الانسان العراقي بالكامل. ولولا انني عشت هذه التجارب والمرحلة تلك لما كتبت كل هذه الروايات لانها كانت ضرورية وليست
مفتعلة.
 
*بعد حياة جاوزت ثلاثة عقود في مكان آخر، كيف وجدت العراق كشخص يعرفه بعين سابقة وأخرى حالية، هل ترى ان هنالك أمل بحياة مختلفة وفق التغيرات الكبيرة التي حصلت؟
-بشكل عام اكذب اذا قلت لك ان العراق قد تغير بالمعنى الذي كنا نريده، او نتخيله وننتظره، وكأنه خرج  من مأزق ودخل بآخر، وأيضا اكذب اذا قلت لك انني لا اجد أملاً في الأفق. ولو لا هذا الأمل لما كنت مستمراً في الكتابة ولما لاحظنا أملاً كبيراً في الشباب الذين يعيدون الجمال بعد كل هذا الخراب .