إبصار العين!

الأربعاء 11 أيلول 2019 106

إبصار العين!

 جواد علي كسّار
 
تغيّر مسار الكتابة عن أنصار الحسين(ع) من بعده تماماً، فقبل كتاب قاضي السماوة وأديبها وعالمها كانت معلوماتنا فقيرة عن هذه الثلّة، التي خرجت مع سيّد الشهداء وبذلت نفسها بين يديه، إذ لم تكن معرفتنا بها تتعدّى أسماء مشهورة من أمثال حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة والحرّ الرياحي وبضعة أنفار آخرين.
لكن كتاب «إبصار العين في أنصار الحسين» للقاضي الشيخ محمد طاهر السماوي (1292ـ 1370هـ) وضع حدّاً لهذا الإدبار المعرفي، والأهمّ من ذلك شقّ طريقاً جديداً للكتابة عن الأنصار، ترك أثره في جميع من تناول الموضوع من بعده، إذ لم يعد بوسع أي كاتب عن الأنصار أن يهمل العودة إلى «إبصار العين» كما نشهد ذلك جلياً في جميع المؤلفات التي صدرت إبّان العقود الثمانية الأخيرة دون استثناء، في العراق والحجاز والشام وإيران.
كما كان لكتاب عالِم السماوة ومثقفها المفكر، مساهمته في تطوير منهجيات الكتابة عن الأنصار والتفنّن فيها، على ما لمسنا ذلك في مؤلفات متميّزة، تجلت في «أنصار الحسين» للشيخ محمد مهدي شمس الدين، وما جاء عنهم في موسوعة باقر شريف القرشي بمجلداتها الثلاثة، وكتاب الباحث الكوفيّ محمد علي عابدين «الدوافع الذاتية لأنصار الحسين» وكتاب «فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيّد الشهداء»، وأخيراً في آخر ما اطلعنا عليه، موسوعة أنصار الإمام الحسين، للباحث البصري حسين نعمة ألبوهلالة.
لقد كان السماوي ولعاً حدّ التهوّر بجمع نفائس الكتب والمخطوطات ولاسيّما النادرة، مكبّاً على القراءة، صبوراً على البحث والتنقيب، اشتغل على تدوين كتابه لسنوات عشر، بالعودة إلى عشرات المصادر والموسوعات، حتى جاء «إبصار العين في أنصار الحسين» موسوعة قائمة بنفسها عن هؤلاء الرهط الكرام، رغم ضآلة صفحاته التي لم تتجاوز المئتين، خاصة حين نأخذ الفوائد الخمسة والعشرين التي ختم بها الكتاب.
من معلوماتنا عن الأنصار في هذا الكتاب، هو التصنيف الإحصائي المناطقيّ لهم إلى حجازيين وكوفيين وبصريين، والنَسبي أولاً إلى بني هاشم وغيرهم وثانياً إلى قبائلهم، والعرقيّ إلى عربٍ وموالٍ، والانتمائي الرتبي إلى صحابة وتابعين، حيث نقرأ في تفصيلاته ان خمسة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، كانوا في أنصار الحسين عليه السلام.
من جملة ما يستخلصه عدد من كان مع الحسين برفقة عياله، ومن خرج وحده دون أهله وعياله. كذلك إشارته إلى خمس نسوة خرجن من خيامهنّ يوم الطف، قاتلت منهنّ اثنتان واستُشهدت واحدة، هي أمُّ وهب. وفي سياق متصل بهذه النقطة يذكر السماوي، عدد من قُتل في المعركة وأمهاتهم تنظر إليهم، ومن رُميت رؤوسهم إلى أمهاتهم، ومن مشى إليه الحسين بعد مقتله، ومن حُمل إلى المخيم، ومن رثاه ووقف عليه وهكذا.
وربما كان في أهمّ فوائده، ما ذكره من أن أربعة نفر قُتلوا بعد مقتل الحسين في الطف، هم سويد بن أبي مطاع الذي كان مغمياً عليه، فلما أفاق قاتل بسكين كانت معه، وكذلك سعد بن الحرث وأخوه اللذان انقلبا عصر عاشوراء إلى معسكر الحسين وقاتلا دفاعاً عن أسرة الحسين حتى قُتلا، والفتى الطالبي محمد بن أبي سعيد بن عقيل.
قد لا نبالغ إذا وصفنا كتاب السماوي «إبصار العين» إنه بمنزلة موسوعة معرفية في معلوماتها وخطوطها العامة، تُغني قارئها عن العودة إلى مكتبة بكاملها.