شيطنة التلفزيون

السبت 14 أيلول 2019 184

شيطنة التلفزيون
حمزة مصطفى
 
في عصر “السوشيال ميديا” تم اختزال المشهد الإعلامي الذي مثلته على مدى قرون الصحيفة الورقية وعقود التلفاز الى صورة ناطقة أو متحركة ومقطع “فيديو” بإمكانه أن يقلب الدنيا رأسا على عقب. الصراع بكل أشكاله بين ماهو ورقي وماهو الكتروني لايزال مستمرا. صحيح أن عصر الصحافة الورقية شهد تراجعا واضحا على صعيد المبيعات والتوزيع وبدأت كبريات الصحف تعمل على تنشيط وتحديث مواقعها الألكترونية, لكن لاتزال الصحف الكبرى تحتكر عبر التقرير والقصة الإخبارية والمقابلة الحصرية المعلومة التي من شأنها أن “تهز” الدنيا أحيانا وتكشف المستور أحيانا أخرى في حال تضمنت وثائق لم يفرج عنها سابقا.
ومع أن المعركة تبدو في الظاهر وكأنها بين التلفزيون والجريدة الورقية عبر انتقال طبيعة الاستطلاع وكسب المعلومة من القراءة عبر الورق الى المشاهدة عبر الشاشة, لكن في عصر هيمنة اللقطة (الصورة ـ ثابتة أو متحركة) أو فيديو مختزل بعناية لأغراض عديدة سنأتي على بعضها ويمكن القول إن كلا من التلفزيون والجريدة مجرد ضحيتين مع أن كلا منهما هوصانع الخبر أو القصة أو الحكاية.
المشكلة باتت في المواطن الذي تناسل منه مابات يسمى “المواطن الصحفي” الذي بات ينافس بتشويه لا نظير له التلفزيون والصحيفة ضاربا بكل المعايير المهنية عرض كل الحيطان لا حائطا واحدا. مشكلة المواطن أنه انتقل من قارئ يتمعن في ما يقرأ, الى مجرد مشاهد كسول. الثقافة التي كان يكسبها هذا المواطن عبر القراءات المعقدة والطويلة لم تعد همه بل باتت المعلومة التي لا يهم إن كانت منقوصة أو مجتزأة هي همه الأكبر. ولأن الفضاء الإعلامي توسع بطريقة جعلت الناس أكثر كسلا على مستوى حب الإطلاع فضولا  لا معرفة من خلال الشبكة العنكبوتية التي امتدت من الفيس بوك الى يوتيوب الى تويتر فإن الخيارات باتت أكثر اتساعا وبالتالي تعددت تبعا لها طرق الهيمنة وحتى الغزو بكل أبعاده وصيغه.
في الماضي كنا في الشرق وفي المنطقة العربية نخشى الغزو الثقافي الذي كانت تمثله منظمات ودوائر وجهات غربية لها حمولاتها في التعامل معنا قبل انتشار وسائط الاتصال في مناطقنا من صحف وتلفاز. الآن وفي ظل الانفجار المعلوماتي والإعلامي منذ ثورة الاتصالات التي اسمها الفن توفلر  “الموجة الثالثة” لم يعد هناك أي حائط صد أمام دخول الأفكار ليس الى غرف نومنا فقط مثلما كنا نشكو بل الى عقول أطفالنا الذين باتوا ينافسون الكبار في الفرجة على الفيديوات بكل ما تبثه من أفكار وحتى سموم.لكن الأخطر في ما يجري على صعيد اللقطة المختزلة “صورة أم فيديو” يرمى في “السوشيال ميديا” لكي ينافس على صعيد المشاهدات واللايكات هو ما يمكن أن أسميه “شيطنة التلفزيون”. فالتلفزيون الذي يبث على مدار 24 ساعة تم اختزاله الى ساعة تلفزيونية في الوقت الذهبي عبر برنامج حواري. والقنوات لكي تجيد التنافس بدأت تنفق على هذه الساعة الذهبية أضعاف ما تنفقه على باقي الساعات, كما بدأت تشتري مقدمي تلك البرامج بمبالغ ضخمة وربما تدفع سر قفلية.ولأول مرة صار لدينا مقدمو برامج يشبهون في الانتقال بين القنوات مثل لاعبي كرة القدم بين النوادي.
هذه الساعة التلفازية يتم اختزالها عبر مشهد أو مشهدين لكلام مجتزأ من الضيف أو يتم توريط الضيف بسؤال ملغوم فتأتي الإجابة “تهلهل” مثلما يريد مقدم  البرنامج ومالك القناة فتدخل تلك القناة حيز المنافسة الذهبية لكن عبر “اللقطة ـ المشهد” لا الحلقة الكاملة أو برامج اليوم الأخرى التي لا تعدو نشرات أخبار مكررة أو جولات بين الأسواق أو تعليم كل أشكال .. الطبخ والنفخ.