لذة المعارضة

الاثنين 16 أيلول 2019 258

لذة المعارضة
ساطع راجي
سيبقى أي نظام صالحا مادام يتيح فرصة لمعارضيه بالوجود في أرض الوطن والعمل على التقدم كبدلاء وناقدين ومحتجين على الاخطاء، هذا مايمنح المواطنين أملا ويمنعهم من حمل السلاح ضد السلطة او اليأس وما يترتب عليه من سلوكيات.
وسواء كانت المعارضة فعلا مباحا او ممنوعا، فإنّها تتمتع بتاريخ طهراني، تاريخ يقدم المعارض دائما كمظلوم او حالم او متمرّد يحاول فتح ابواب المستحيل، المعارضة تستحث الشعور بلذائذ لا متناهية بدرجة تدفع للمغامرة وتحمل الآلام، والمعارضون تتلبّسهم نشوة روحيّة تعميهم عن رؤية مثالبهم وخطاياهم واحيانا جرائمهم وكذلك فشلهم، وبهذه الطريقة يفتح الباب لتكوين أسوأ نظام سياسي، هو ذلك الذي يشتري المعارضة ويتحكم بها بعدما أطلق لها العنان 
للظهور.
وفي بلاد تعيش انتقالا طويلا وبلا خارطة زمنية مثل العراق، يكون الحراك السياسي كله مهتزا بلا ثوابت، يخترع فيه الساسة كلمات مخادعة للتملّص من المواقف الواضحة، فلا احد يريد موقعاً بيّناً من السلطة او فيها، موقعا يعرضه لمحاسبة اتباعه او حتى لجردة اداء عبر وسائل الاعلام والمراقبين، يريد الساسة غالبا لذة المعارضة وغنائم السلطة، ولذلك يخترعون كلمات واساليب تضيع على المواطن معرفة المسؤول عن مشاكله، وهذا الوضع كان لصيقا بفئة سياسية محددة كانت تتعرض للضغط لتحديد موقفها الواضح من العملية السياسية وسط آمال بأن تنتهي هذه الحالة لكن اللافت ان كل القوى السياسية العراقية أصيبت بعدوى هذا الموقف.
كل فريق سياسي يتحدث عن نفسه بوصفه الممثل الحقيقي للشعب عليه أن يجتهد ليصل الى الحكم واذا فشل في حيازة اغلبية الاصوات فهو لا يمثل اغلبية الشعب، عليه ان يتوقف عن الحديث باسم كل المواطنين فهو بهذه الطريقة تحول الى لص يسرق ارادة الناس وينتحل بلا دليل صفة تمثيلهم، اما اذا ادّعى الزهد بالسلطة وسلّمها لغير القادر او لغير الامين فهو قد خان ثقة المواطنين ممن يمثلهم وتملص من تحمل المسؤولية بخدع واهية ليبقى متمتعا بلذة المعارضة السهلة الآمنة لكنّه سواء أراد ام لم يرد فهو يتحمل مسؤولية أخطاء السلطة وفشلها وضعفها، لأنه اوكلها والوكيل كالاصيل، ولذلك ليس لأي فريق سياسي ادعاء عدم وجوده في السلطة بذريعة تخليه عن مناصبه لرئيس الحكومة فهذا ايضا اختيار سياسي ونوع من الوجود في السلطة، المعارضة هي قرار بدئي وليس مجرد ملاحظات وانزعاج مرحلي انتقائي، المعارضة تعني طرح بدائل للاشخاص والتشريعات والمؤسسات لامجرد صراخ في الاعلام، فهذا الصراخ حق وصلاحية المواطن العادي، الفرد الأعزل من السلطة. أتمنى لو ان شكل قاعة مجلس النواب العراقي تشبه قاعة مجلس العموم البريطاني، يكون فيها مكان الجلوس بحسب الموقف من الحكومة، مع او ضد، اما الحالة الاستثنائية اي عدم اتخاذ موقف فيكون مؤقتا ليبقى الحائر واقفا خارج الموقعين ينتظر حسم الموضوع الخلافي الذي لم يحدد موقفه منه ثم يعود ليجلس في مكانه الدائم خلال الدورة الانتخابية كمعارض او مؤيّد للحكومة.
إنّ أشهر عمليات السرقة التي نشهدها منذ سنوات هو سرقة صوت المعارضة من قبل قوى حاكمة تستخدم اللغو المخادع لتضييع موقفها واخفاء مغانمها ومنع الشارع من تكوين قوى جديدة تعبر عنه، ومن يريد العمل كمعارض أبدي مستمتعا بلذة المعارضة بدون ان يتحمل تبعات السلطة في يوم ما فعليه العمل في سياق ثقافي او تربوي بصفته الفردية وبلا اي قسر، اما من يشكل كيانا سياسيا فعليه ان يتقبل اللوم والنقد ومن واجبه تحمل المسؤولية والاعتراف بالاخطاء، لأنّه سياسي وليس واعظا اخلاقيا.