الصدر على طريق الحسين

الاثنين 16 أيلول 2019 131

الصدر على طريق الحسين
محمد عبد الجبار الشبوط
 
حفظ لنا التاريخ النداءات الصوتية الثلاثة التي سجلها الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر في اواخر حياته وارسلها الى السيد عبد العزيز الحكيم رحمه الله لينشرها في حال استشهاده. وكان الصدر قد صمم على الاستشهاد في تحركه الاخير وهو يعلم كما قال ان الاهداف التي اعلنها “قد تكلفني حياتي”. ولهذا قال في النداء الثاني:”اني صممت على الشهادة ولعل هذا اخر ما تسمعونه مني».
كان الصدر يقول “اننا مطالبون بما طولب به الامام الحسين”. وفي دراسته لسيرة الامام الحسين، شخّص الصدر ان النقطة المحورية في موقف الامام الحسين هي “الثورة على الحكم او الحاكم التي كانت اساس موقف الامام ابي عبد الله الحسين».
ولفهم ثورة الامام الحسين، اجرى الصدر تحليلا موسعا ومعمقا لطبيعة الحكم واحتمالاته، وكان ذلك في سلسلة محاضرات ابتدأها في شهر شوال عام 1388 هجرية، الموافق للثالث عشر من كانون الثاني عام 1969ميلادية، اي بعد اشهر من وصول حزب البعث الى السلطة في انقلاب 17 تموز عام 1968. وقد توصل في نهاية هذه المحاضرات الى ان الحالة التي ثار عليها الامام الحسين تشبه الحالة التي عاصرها الصدر، حيث قال: “واليوم تعود هذه الحالة من جديد؛ فهذه الامة الاسلامية تعيش الوضع نفسه الذي عاشته الامة في زمن الحسين، فلقد انحرف بها الحكام عن رسالتها وحضارتها وكيانها.”وبناء على هذا، قال الصدر :”فلابد من هزة عميقة توقظ وجدان هذه الامة وتحرك ضميرها وتعيدها الى رشدها”، واضاف:”لابد من حسين جديد لهذه الحركة ولابد من زينب  ولابد من رجال كاصحاب الحسين”.”واذا كان الامر مستحيلا فلابد من قطار من الدماء ورتل ضخم من التضحيات».
السيرة الشخصية للصدر وللظروف الموضوعية  التالية لهذه الكلمات معروفة للجمهور. فقد سار حكم البعث على سيرة يزيد في اضطهاد الناس، وظلمهم، وشن حملات منهجية مستمرة من الاعتقالات والاعدامات والتسفيرات التي طالت الالاف من المواطنين من مختلف الانتماءات العرقية والمذهبية والسياسية.ومع ان بعض القوى السياسية في المرحلة الاولى من عمر هذا النظام الدكتاتوري وقفت الى جانب النظام وتحالفت معه في “جبهة وطنية تقدمية”، كما قيل، الا ان الوجه الكالح للنظام انكشف تماما بعد استحواذ صدام على كل المواقع الاولى في “الدولة والثورة والحزب”، كما كانوا يقولون، وانبسط الظلم البعثي على كل شرائح المجتمع العراقي. وبينما كانت القوى السياسية المعارضة تلملم صفوفها وتداوي جراحاتها، كان الامام الخميني قد تمكن من تصعيد ثورته ضد نظام الشاه، في اواخر السبعينات، منطلقا من نفس الاسس الفقهية والسياسية التي كتب عنها الصدر الامر الذي خلق جوا “ثوريا” جديدا في المنطقة العربية، غطى على الشعور بالاحباط والهزيمة في اعقاب  نكسة الخامس من حزيران وتوقيع اتفاقية كامب دفيد مع الكيان الصهيوني التي اخرجت اكبر دولة عربية من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي. في هذا الظرف قرر السيد الصدر التحرك ضد النظام البعثي، وكذلك فعل حزب الدعوة، وهكذا بدات المواجهة العلنية مع حزب البعث الحاكم. وفي ذروة هذه المواجهة، سجل الصدر خطاباته الثلاثة التي اشرت اليها قبل لحظات. فقد طالب باسم “كرامة الانسان” في النداء الاول (حزيران 1979)  “بفسح المجال للشعب ليمارس بصورة حقيقية حقه في تسيير شؤون البلاد وذلك عن طريق اجراء انتخاب حر ينبثق عنه مجلس يمثل الامة تمثيلا صادقا”.وفي النداء الثاني طالب باقامة “حكم صالح فذ شريف يقوم على اساس الاسلام”. وفي النداء الاخير دعا الى وحدة الكلمة وتلاحم الصفوف من اجل “بناء عراق حر كريم تغمره عدالة الاسلام وتسوده كرامة الانسان».
وتحققت نبوءة الصدر. فقد اعتقل بعد هذا التحرك، واصدر صدام حكمه باعدامه واخته بنت الهدى لكنه قدم درسا عميقا بمعنى السير على نهج الامام الحسين.