تحديّات منظومة الإعلام في العراق

الثلاثاء 17 أيلول 2019 106

تحديّات منظومة الإعلام في العراق

 د. خليل الطيار
 
شكّلت تداعيات موضوع “قناة الحرة” بعد أن عرضت برنامجا في حلقتين، اثار مضمونه ردود أفعال متباينة على مستوى الرأي العام الرسمي والشعبي، حافزا قويا للكتابة مجددا عن التحديات التي تواجه منظومة الاعلام في العراق وتأثير ما يعتريها من اشكالات في بنيتها العامة. ولم يكن تعليق رخصة عمل مكاتب مكتب قناة الحرة العراق بكامل طاقمه العراقي سوى التمهيد لسياسة إعلامية مختلفة تنسجم مع عملية الصراع في المنطقة واستهداف العراق حتى وهو منهك على جميع الصعد خوفا من عملية تغيير سلمية نحو الديمقراطية البرلمانية لبناء عراق جديد على أنقاض تاريخ ملتبس ساده الفكر الشمولي طوال أكثر من ثلاثين عاما.

مع تسليمنا بقدرة الاعلام العراقي على سرعة التحرر من ربقة سياسة النظام الدكتاتوري الشمولي وهيمنته على الاعلام وتقييد حريته وتسخير جميع روافده المسموعة والمرئية والمقروءة لخدمة نظامه السياسي وبسط نفوذه على ادارة مؤسساته والتحكّم في صياغة محتوى خطاباتها، إلّا أنّ هذا التحرر الذي وفرته مناخات الأطر الديمقراطية في العراق بعد التحول السياسي الذي شهده العراق بعد العام 2003، فإنّ الدولة العراقية لم تنجح، بمن تعاقب على ادارة حكوماتها في انجاز ملف الإعلام في العراق بنهجه المتحرّر، وفشلت مساعي القائمين على ادارة مؤسساته الاعلامية الرسمية منها والمستقلة بتحمّل مسؤولية وضع سياسة واضحة لادارته، واستثمار مساحة الحريات التي وفرتها المناخات الديمقراطية لبناء منظومته على أسس مهنية وتشريعية سليمة، تؤسس لترصين مقومات هويته الوطنية وتزيد من فاعلية وتأثير قدرته في ترسيخ العملية السياسية الجديدة في العراق ومشاركته في عملية بناء الانسان العراقي وتعزيز المتطلبات التنموية لحياته العامة.
كلّ القوى الخارجية تعرف بأنّ نهضة الوطن العراقي هي نهضة المنطقة برمتها، ولذلك فإنّ أبعاد المخطط الدولي والإقليمي يصب في هذا الاتجاه. فالعراق اليوم هو في دائرة الإضاءة نحو مفترق طرق خطيرة خيار النهضة الحضارية فيه مكبل بعوامل متعددة الأبعاد تحرّكها عملية إعلامية ذات أجندات تديرها وتمولها قوى خارجية وأخرى أقليمية، يساعدها في ذلك نمط من حكومات لا تنظر بعيداً لمخاطر ما يجري في العراق وهو يتلمس طريق النفاذ من النفق المظلم الذي ساد العملية السياسية برمتها قبل أكثر من خمسة عشر عاما. كما لم تستفد من مساحة التحولات المعرفية التي تجاوز فيها الاعلام، كونه مجرد وسيلة  لنشر القصص الاخباريّة وضخ للمعلومات، وتخطيه ذلك ليدخل في التنافس على هيمنة وامتلاك ادوات بناء الاستراتيجيات التي صارت فيها الدول تعتمد، ضمن اولويات اهتماماتها على منظومة الاعلام وتوظيفه لتحقيق اغراضها واهدافها التنموية المستدامة واستثماره لتعزيز قدراتها الامنية والاقتصادية والاجتماعية.
كما لم تدرك حجم خطورة تنامي ايقاع تأثير التطورات التكنولوجية والتقنية المتسارعة على بنية الاعلام وانفلاته من منظومة السيطرة والتحكّم من خلال دخول ونفاذ منصاته لبوابات العالم الرقمي واتساع مجالات استخداماته وتنوع اوعيته وقوالبه، بعد التطور الكبير لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي هيمنت بقوة على مساحات الاعلام التقليدي وتمكّنت من استبدال قواعد واسس عناصر الاتصال، وتنامى معها تأثير الاعلام الفردي والشخصي على منظومة ومهنية الاعلام الرسمي والمستقل، مما شكل تهديدا وتحديا قويا لخلق فوضى عارمة لصناعة محتوى اعلامي، باتت الدول وحكوماتها ومؤسساتها المعنية غير قادرة على السيطرة عليه في ظل فقر القوانين والتشريعات المنظمة لقطاع 
الاعلام.
من دون أن نغفل هنا ذكر تأثير ضعف وهشاشة مرتكزات ومقومات العملية السياسية في العراق التي ظلت غير قادرة على انتاج اداء محفّز لبناء مؤسسات رصينة ومهنية للدولة تحافظ على استقلاليتها، وتركها بعيدة عن تأثير التجاذبات والصراعات السياسية التي تأثرت فيها مؤسسات الاعلام تأثرا كبيرا بفعل سيطرة نفوذ وضغط المال السياسي على مؤسساته المستقلة وتأثير التدخلات الحزبية على عمل ومهنية وسائل الاعلام الرسمية والقدرة على تحجيم صلاحياتها واختيار ملاكاتها وإضعاف قدراتها على انتاج وتقديم محتوى اعلامي نوعي يواجه التحديات الجسيمة التي يمر بها العراق.
هذه المعطيات وفرت الفرصة السهلة لفرض نفوذ وسياسة خطابات مؤسسات اعلامية خارجية ومحلية تعتمد لتسييرعملها على التمويل والدعم الخارجي، سواء من دول دعمت هذه المؤسسات لتسويق سياساتها الخارجية اوعبر تمويل شخصيات اقليمية او دولية هيمنت على بساط الاعلام في العراق وشكلت امبراطوريات إعلامية أسهمت وسلبت منه هويته الوطنية واسقطته في مناخ اعلامي فوضوي يضعف فيه الاداء الاعلامي وتتقاطع فيه الخطابات المشعلة للازمات السياسية والمحرّضة على العنف والطائفية والمشجّعة على تمكين مصادر الارهاب من النفوذ لخطاباتها واستثمار منصاتها.
ووسط هذه البيئة الاعلامية المضطربة تُرِكَ الباب مفتوحا وميسّرا وسهلا لتنفذ من خلاله اغلب وسائل الاعلام العالمية نحو الساحة العراقيّة لتجد امامها بيئة رخوة تمّ اختراقها بسهولة وفرض أجندة سياستها الاعلامية، كما نجحت بذلك على سبيل المثال لا الحصر ادارة قناة الحرة التي شهدت تحولا في ادائها ومهنيتها من مرحلة لأخرى بعد ان كان هدف انشائها يقوم على دعم  سياستها الاعلامية لترصين العمل الديمقراطي في العراق وتشكيل نظامه السياسي الجديد، لكن سرعان ما تحول الى خطاب اعلامي يعمل على ترجمة استراتيجية السياسة الخارجية الاميركية وتمرير قضاياها في المنطقة وتأثيرها بالتدخل والتعاطي مع الشأن الداخلي للعراق، مستغلة هامش مساحة حرية التعبير وهشاشة البيئة القانونية المنظمة لعمل قطاع الاعلام في العراق.  
إنّ هيئة الاعلام والاتصالات وشبكة الاعلام العراقي ومختلف المؤسسات الاعلامية المستقلة والمتحزّبة والمراكز الاعلامية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، لا تزال غير قادرة على توحيد جهودها في ادارة ملف الاعلام في العراق وتعزيز دوره ليصبح سلطة تنويرية تسهم في بناء الدولة وتساعد على تجذير الاطر الديمقراطية الصحيحة في العراق.
إنَّ الدولة العراقية تفتقر الى وجود منهجية واضحة لادارة سياسة الاعلام في العراق وعدم اتاحة الفرص للحكومات المتعاقبة لمسك وادارة ملف الاعلام وفق أسس محكمة ومدروسة، بسبب انشغال تلك الحكومات في اطفاء ازمات العملية السياسية وتحدياتها المتتالية، مما فوّت عليها الفرصة لوضع أسس منهجية سليمة لادارة ملف الاعلام الذي بات يشكل ابرز مقومات دعم تنفيذ برنامجها واستمرار عملها او التحريض ضدها وإعاقة واضعاف مساعيها والنيل منها وتبني مشاريع اسقاطها، هذا إلى جانب التلكؤ في اداء اعلام الدولة لمواجهة تلك الخطابات الاعلامية التي تهدد أداءها على جميع الصعد، ومنها الأداء الإعلامي القائم على أسس وثوابت رصينة تنفذها شخصيات ومؤسسات اعلامية
 مهنية.
هذه المعطيات التي تشكّل ابرز ما يواجهه الاعلام العراقي من تحديات في بنيته الاساسية الذي يتطلب جملة اضاءات تساعد على إعادة ترتيب منظومة الاعلام في العراق وفق أسس سليمة تدعم مساراتها المستقبلية. هذه الإضاءات تتمثل بالآتي:
1 -  معالجة اشكالية توطين وتعزيز الهوية الوطنية للاعلام العراقي.
2 -  معالجة قلة وضعف انتاج المعادل الإعلامي المتعلق بمدى مواكبة المنظومة الإعلامية العراقية لمشاريع وخطط وإنجازات الدولة في المجالات المختلفة، وبناء الإنسان العراقي.
3 - ايجاد تعريفات واضحة لمسؤولية النظام الاعلامي في الدولة العراقية، وتحديد المهام المنوطة به المتعلقة بتعزيز جهودها المقدمة من مؤسساتها الخدمية للمواطنين لمختلف روافدها، التعليمية، والصحية، والامنية، والصناعية، والاقتصادية والتجارية، والسياحة، والزراعة، والنقل والاتصالات وغيرها.
4 - بيان مسؤولية المؤسسة الإعلامية المعنية بالاتصال الجماهيري، وتسمية مهامها في تشخيص مستوى التحدي الذي تواجهه مؤسسات الدولة وقيامها بالدور الإيجابي والفعّال لرفد وسائل الاعلام المختلفة، واعطاء صُنّاع القرار الوقائع الصحيحة عن حاجتهم إلى إعلام مهني يكشف الحقائق ويعكس المنجز ولا يغض النظر عنه، ويقوم بالاستقصاء وطرح المشاكل، تحت مقولة “ليس بالإمكان أفضل مما كان”.
5 - معالجة افتقار الاعلام العراقي الى (الهوية والرؤية والاستراتيجية)، فما زال إعلامنا العراقي يفتقر للاساليب والاداء المهني في رسائل النقد الهادف والحريص على مصلحة الشعب والوطن، وما زالت خطاباته ورسائله أسيرة تأثير المال السياسي المنشغل بخطابات واهداف الاجنادات الحزبية والقومية والمذهبية بعيداً عن التعاطي مع الاغراض التنموية للقضايا الاجتماعية والثقافية والمساحات المشرقة ..
6 - العمل على ايجاد مناخ وبيئة اعلامية عراقية تسهم فيها المنظومة الإعلامية لتشكل ذاكرة المجتمع، ومنبرا للحوار والنقاش الديمقراطي، وتكون منصة معرفية تلتقي فيها الآراء والأفكار ومختلف وجهات النظر بمهنية عالية.
7 - العمل على ايجاد وتوفير بنية تحتية إعلامية متماسكة ورصينة في العراق، تعتمد على اداء مؤسسات مهنية تمتلك الاستقلال المالي والاداري وتمنح الصلاحيات المشفعة بالقوانين والتشريعات، ما يمكنها من القيام بمسؤولياتها بكل استقلالية وشفافية ومهنية تحرّرها من تأثير هيمنة النفوذ الحكومي او السياسي الذي يتحكّم في صناعة قراراتها واضعاف سياساتها الاداريّة.
8 - زيادة جهود الجانب التشريعي لحسم إقرار حزمة القوانين المتعلقة بتنظيم الاعلام والمعلوماتية والقوانين المساندة لتعزيز عمل مؤسساتها ووضع منهجية لتشريعاتها وفق أسس سليمة تهدف لبناء مؤسسات رصينة ولا تعزز سلطة أفرادها وهيمنة الاحزاب عليها.
ولما تقدم نجد أنّ الفرص متاحة وبقوة للعمل بجدية لإعادة مسك الملف الاعلامي في العراق ودراسة ما يواجه منظومته من تحديات، وتحديد نقاط الخلل فيها والعمل على وضع استراتيجية واضحة المعالم لمعرفة ماذا (تريد الدولة بالضبط من الإعلام؟ وماذا تريد مؤسساته الإعلامية بالتحديد؟ وماذا يريد الصحافي من مهنته؟ وماذا يريد المشرّع من القوانين والتشريعات؟ وماذا تريد  النقابات الصحفية والمؤسسات الاعلامية من  المهنة ومن المنظومة الإعلامية ككل؟ وأخيراً، ماذا يريد المواطن من النظام الإعلامي في البلد؟).
إنَّ الإجابة عن هذه الأسئلة بكلّ مسؤولية، إنّما تقع على عاتق جميع الاطراف المعنية بملف الاعلام في العراق وبمساهمة جميع القطاعات الرسمية والمدنية المستقلة، وتوحيد جهودها للعمل على تقديم الافكار والدراسات والبحوث الميدانية، وقراءة المعطيات وتحليلها لاستخلاص النتائج، وتقديمها لاصحاب القرار لوضع خارطة طريق محكمة، ومنهجية، تكون في مستوى التحديات التي يمر بها العراق والتي يشكّل فيها الاعلام عنصراً فاعلا لمواجهتها ومعالجتها في
 المستقبل.