المنطقة الكوريَّة منزوعة السلاح.. صراعُ المتناقضات وشعورٌ بالأمل

الثلاثاء 17 أيلول 2019 135

المنطقة الكوريَّة منزوعة السلاح.. صراعُ المتناقضات وشعورٌ بالأمل
مارتن كوز  ترجمة: ليندا أدور
ما أثار دهشتي هي لعبة سفينة القرصان "سوبر فايكينغ"، ومقرمشات الدجاج المقلي "بوبايز"، والجنود "المانيكان"، والسينما في المنطقة المنزوعة السلاح بين شطري شبه الجزيرة الكورية.
خُيل لي أنَّ الرحلة الى المنطقة المنزوعة، والممتدة على مسافة نحو 250 كيلومتراً والتي تقسم كوريا الى شطرين جنوبي وشمالي، ستكون عبارة عن مناظر لأسلاك شائكة ومشاهد قاتمة عن وحشية الحرب. لكن ما كان على أرض الواقع يمكن أنْ ندرجه تحت عنوان: "ستوديوهات يونيفرسال تقدم: المنطقة المنزوعة السلاح". كانت زيارتي لها قبل شهر من الحلم الجيوسياسي الذي شهد أنْ يكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أول رئيس لا يزال في منصبه، تطأ قدمه أرض كوريا 
الشمالية.
 
نفق التسلل
في حقيقة الأمر، لقد عكس لقاء ترامب مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جون أون، مزيجاً يومياً من السخف والرصانة التي ينتظرها أكثر من مليون سائح من الذين يتوافدون الى المنطقة سنوياً، ففي المسافة التي تربط بين مدينة الملاهي و"نفق التسلل"، يمكن للسياح أنْ يشاهدوا شيئاً يفوق التوقعات وهو: شعور بالأمل.
سافرت الى المنطقة المنزوعة الحدودية من سيؤل، عاصمة كوريا الجنوبيَّة، بصحبة مجموعة من الصحفيين الأميركيين، هناك حيث تبدو الشمالية بعيدة كبعد القمر عنها. اجتازت الحافلة الجدار وأبراج الحراسة المتاخمة للطرف الجنوبي من المنطقة المنزوعة قبيل وصولنا الى "إمجينغاك"، وهي متنزه خصص للحرب الكورية وتداعياتها، ليبدأ من هناك صراع المتناقضات.
من هذا المكان، عاد نحو 13 ألف أسير حرب الى كوريا الجنوبية، في العام 1953، بعد توقيع اتفاق الهدنة الذي مهَّدَ لإنشاء المنطقة المنزوعة السلاح والكوريتين. 
يمنع السياج الحديدي المسلسل الدخول، وقد زينه السياح بأشرطة ملونة وأعلام صغيرة على شكل شبه الجزيرة الكورية، حملت رسائل بخط اليد، تدعو غالبيتها الى السلام أو الحنين للأسر عبر الحدود. انطلقنا بالحافلة صوب "قرية الحرية"، البلدة الكورية الجنوبية الوحيدة ضمن المنطقة المنزوعة السلاح حيث يسكنها 200 شخص وتضم سارية للعلم الوطني بارتفاع يقارب الـمئة متر. على مبعدة ميل تقريبا، كان علم كوريا الشمالية يعلو سارية على ارتفاع أكثر من 160 مترا، يرفرف فوق كيجونغ دونغ أو ما تعرف بإسم "قرية السلام"، القرية المناظرة لتلك في الجارة الجنوبية، اذ يطلق عليها الجنوبيون اسم "قرية الدعاية" بسبب مبانيها ذات الألوان البراقة والعشب المنسق بعناية والذي يتناقض والفقر السائد في "الشمالية".
 
مقبرة جماعيَّة
كنا ننظر عبر التلسكوب من مرصد "دورا" على امتداد المنطقة الحدودية الفاصلة بعرض أكثر من اربعة آلاف كيلومتر. ان غياب النشاط البشري عن المنطقة على مدى أكثر من 60 عاماً، أسهم بتحويلها الى محمية طبيعيَّة على نحو عرضي، حيث الدببة السوداء وغزلان المسك وطيور الكركي والعشرات من فصائل أخرى ازدهرت هنا، طالما هي بعيدة عن ما يقارب من 800 ألف لغم 
أرضي. 
هذا المنظر الطبيعي الخصب يخفي وراءه المنطقة المنزوعة السلاح التي يمكن أن تحدد كمقبرة جماعية لكنها غير معروفة، اذ يوجد تحت سطحها رفات ما يقارب العشرة آلاف جندي كوري جنوبي وألفين من الجنود الأميركان، الى جانب العديد من الجنود من كوريا الشمالية.
تم افتتاح المرصد الفضي خلال الخريف الماضي، ليحل بدل القديم، ذلك الحصن الذي شيد وفق النمط البروتاليستي وطلي بأسلوب تمويهي. 
هنا، قادني الشعار على واجهة المبنى القديم "نهاية الفصل وبداية التوحيد" الى وجهتي التالية وهو "نفق التسلل الثالث"، وقد أغلقت وسطه ثلاثة حواجز خرسانية، والذي كان واحداً من أربعة مداخل للتسلل من الشمالية، عثر عليها الجيش الكوري الجنوبي.
علمنا مسبقا أن المنطقة الأمنية مغلقة، لذلك كان أمامنا فقط اللقاء مع حراس بوجوه جامدة خارج مدخل النفق، اذ يقف اثنان من الجنود الكوريين الجنوبيين يضعون النظارات الشمسية ويتخذون وقفة التايكواندو المطلوبة، وقد شدت أذرعهما الى جانب الجسم وبقبضتين مكورتين، كما اتخذا وضعهما هذا من دون شكوى أو ملل لالتقاط صورة تلو أخرى.
 
تنقيد النزاع
لا يبعد سوى خطوات قليلة عنه، هناك متجر لبيع الهدايا والتذكارات التي تحمل في موضوعاتها كل ما يتعلق بالمنطقة المنزوعة السلاح والتي تنوعت بين القمصان والقبعات وسلاسل المفاتيح وقطع مغناطيس الثلاجة ومعطرات الهواء للسيارات. يضم المتجر كذلك قطعاً من الأسلاك الشائكة "أصلية" من السور الحدودي، وقد ركبت بدقة على ألواح تعكس الميل الساخر لأحد رجال الأعمال لتنقيد النزاع (تحويله الى أموال).
في طريقنا متوجهين الى السينما، مررنا بمجسمات كبيرة للحروف الأولى من "المنطقة المنزوعة السلاح بالانكليزية (D M Z) وقد تجمع حولها الزائرون واحتضنوها وكأنهم التقوا أصدقاءً قدامى لهم.
آخر محطات رحلتنا كانت محطة قطارات دوراسان، التي افتتحت العام 2002 قرب الحدود الجنوبيَّة للمنطقة المنزوعة السلاح، حيث ينطلق منها قطار باتجاه كوريا الشمالية، لكن وبعد انطلاق حركة الشحن منذ عقد مضى، لا تزال المحطة متروكة، فقد بدت ساطعة ونظيفة، تضم منطقة للكمارك وجدول حركة الكترونياً، الى جانب سهم يشير الى "رصيف 
التوحيد".
حتى الآن، قد تكون هذه هي المحطة الأخيرة عند المعبر الجنوبي، وفي يوم ما، ربما تكون هي الأولى نحو الشمال.