أرامكو.. وشعار الإسلام هو الحل!

الجمعة 20 أيلول 2019 136

أرامكو.. وشعار الإسلام هو الحل!
عبد الامير المجر
 
قبل ظهور الفضائيات، كانت الحوارات المباشرة، ذات الطابع الجدلي، تحصل عبر الاذاعات العابرة للحدود، مثل لندن وموسكو وصوت اميركا، وغيرها .. في احد النقاشات عن مستقبل المنطقة، استضافت اذاعة لندن، على ما اتذكر، شخصيات من توجهات فكرية مختلفة، وقد علق بذاكرتي ما قاله احد الضيوف، من ان جميع المشاريع اثبتت فشلها، ويقصد اليسارية بمختلف مسمياتها واليمينية كذلك، وعلينا ان نجرب الاسلام، ويقصد قوى الاسلام السياسي
قبل اربعة عقود تقريبا، راج او بدأ يروّج لمصطلح، (الاسلام هو الحل)، بعد ان وصلت بعض المشاريع الى طرق شبه مسدودة، اذ لم يحقق الوحدويون العرب اهدافهم وكذلك الماركسيون، لاسيما بعد تداعي الاتحاد السوفيتي قبل تفككه الشهير لاحقا. 
لقد تخوف البعض من المشاريع الاسلامية، مثلما رحب بها البعض كذلك، ولكلّ مبرراتهم، اذ وجد المتخوفون، انها قد تؤدي الى شيوع ثقافة غير مدنية تعود بالشعوب الى الوراء وتنسف ما تم بناؤه على ايدي القوى المدنية، منذ بداية القرن العشرين في ظل ماعرف بالدولة الوطنية الحديثة. ووجد المرحبون، ان العالم الاسلامي بما يمتلكه من ثروات هائلة، يحتاج الى مشروع وحدوي يفعّل هذه الممكنات ويجعل المسلمين قوة كبرى في العالم، ويعيد اليهم حقوقهم، منوهين بان القضية الفلسطينية، والقدس، ظلت محورا لهذا المشروع.
يصعب في تلك الظروف تخيّل ما يحصل اليوم، بل ان اكبر المتشائمين من الطرفين، لايمكن ان يصدق بان الامور في ظل شيوع ثقافة (الاسلام هو الحل) تصل الى هذا المستوى المرعب من العنف والتخريب .. اذن، اين المشكلة والخلل؟ هل في الاسلام ام في المسلمين الذين تبنوه شعارا للمرحلة ام في شيء اخر؟ ..  الجواب، هو ان العالم لا تحكمه النيّات الطيبة ولا حتى المبادئ، بقدر ما تحكمه المصالح، ولعبة التوازنات. وان الذي يقرأ هذه المسألة بدقة، سيقف على اسباب فشل الكثير من المشاريع، النبيلة وغير النبيلة على حد سواء، وسيعرف انه ليس الخطأ فيها او باصحابها، بل في هذه المعادلة المركبة، التي يجب ان يقرأها بدقة أي سياسي.. لقد استثمر الاميركان شعار الحل الاسلامي في افغانستان، بذريعة محاربة الشيوعيين الكفار! وبدات اللعبة من هناك، أي قبل اربعة عقود، فخسر الافغان دولتهم الوطنية، في خضم صراع المصالح والنفوذ، مثلما خسروا المشروع الماركسي الذي جاءهم على دبابة سوفيتية. وبالتأكيد لم يحصلوا على الدولة الاسلامية التي تحفظ للناس حقوقهم في الحياة الكريمة، لان اسلاما اخر اقتحم حياتهم، وسيقتحم حياة دول اخرى، بعد ان تمت تهيئة الظروف له، في سياق لعبة مخابرات محكمة.
بعد حادثة استهداف منشآت ارامكو النفطية السعودية، مؤخرا، والتي جاءت بعد سلسلة طويلة من المناكفات والحروب بين الدول الاسلامية، ذهب فيها الكثير من الدم والمال والوقت، يستعيد المثقفون والمتنورون في العالم الاسلامي ايام الصفاء النسبي في العلاقات بين الدول الاسلامية، ولعلهم وهم يحصون الخسائر التي لحقت بدولهم وشعوبهم، يتساءلون عن جدوى شعار (الاسلام هو الحل) الذي طرح قبل عقود، وماذا اضاف للاسلام وماذا اخذ منه ومن المسلمين .. اذ لم تتراجع القضية الفلسطينية الى هذا المستوى الخطير، ولم تصل العلاقات بين دول العالم الاسلامي الى هذه القطيعة والعدائية المؤلمة، بعد ان استدعت هذه الثقافة البعد الطائفي ووظفته في الصراع. فالمدن الاسلامية لم تخرّب كما نراها اليوم، والمسلمون يمارسون شعائرهم من دون الحاجة الى انظمة ترفع شعارات اسلامية، وتمارس العزل الطائفي لتكرس سلطتها على الناس باسم الدين وعلى حسابه، وقبل هذا وذاك، كان هناك امل في حياة افضل، لان همّ الانظمة وحتى صراعاتها مع خصومها في الداخل، تأتي تحت شعار خدمة الناس للفوز برضاهم، كوسيلة للبقاء في السلطة.
لقد اعتقد الاسلامويون، انهم بقوة عقيدتهم، سيخترقون هشاشة العالم، ويقيمون انظمتهم كما يرغبون، وكان العالم غير الهش كما توهموا، ممثلا بالقوى الماسكة بخيوط اللعبة، وغير الغافل عن هذه المشاريع، يراقب تلك التحركات ويعبد لها الطرق، لا لكي يوصل اصحابها الى مبتغياتهم، بل لكي يصل بهم الى ما يريد، حيث اراد ان يوقف المشاريع النهضوية، وان رافقها بعض الخطأ، ويكرس الفرقة، وان كانت موجودة بحدود نسبية، واراد ايضا، ان يوجه للشعوب الناهضة ضربة اجهاضية قاسية، تجعلها معاقة بنيويا والى امد غير معلوم، ولعل من يراقب ما يجري العمل عليه من محاولات تعقيد الواقع السياسي، على اسس عرقية وطائفية، في اكثر البلدان التي مستها حرائق الجهاديين وامثالهم، سيجد ان الامر مخطط له من قبل، وان استثمار الفائض العاطفي لدى المتحمسين من العقائديين الاسلاميين، كان صفقة رابحة تماما.
لا شك ان هناك من فرح بضرب ارامكو، وهناك من حزن، ولكل من هؤلاء مبرراته، لكن الشيء المهم الذي يجب ان ننتبه اليه جميعا، ان كل ما يزهق من ارواح  وما يحرق من اموال وما يهدر من وقت، هو ضريبة غفلتنا الحضارية التي يراد لها ان تستمر!.