الصين وريش الدجاج

الجمعة 20 أيلول 2019 154

الصين وريش الدجاج
حمزة مصطفى
 
في كتابه “موعد مع الشمس.. أحاديث في آسيا” يروي الكاتب العربي الراحل محمد حسنين هيكل الحكاية التالية سوف أتناولها بالتصرف لأني قرأت هذا الكتاب قبل أكثر من ربع قرن. يقول إنه حين زار الصين في إطار جولته في عدد من البلدان الاسيوية في ستينيات القرن الماضي حين كان رئيسا لتحرير صحيفة “الأهرام” ومقربا من الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أقام له رئيس تحرير الجريدة الرسمية في الصين يومذاك الناطقة بلسان الحزب الشيوعي وليمة غداء. الوليمة وطبقا لما يروي هيكل تتكون من نحو ستة أطباق من دجاجة واحدة. كل طبق وضعوا فيه جزءا من الدجاجة (الصدر، الأجنحة، الأفخاذ ..كذا). يقول استغربت لهذا الأمر فقلت لزميلي مازحا.. بقي فقط الريش لم تضعوه في طبق. عند ذاك والكلام لهيكل نظر الي زميلي الصيني جادا وقال لي .. نعم الريش نجمعه عادة ونرسله الى أحد المعامل الإنتاجية. نسيت ماذا علق هيكل. لكن ليس مهما. هذه هي الصين التي يزورها هذه الأيام على رأس وفد كبير رئيس الوزراء عادل عبد 
المهدي. 
 لا أعرف نوع الولائم الصينية الآن التي ستقام لرئيس الوزراء، لكن البلد الذي تحول بأقل من 30 عاما منذ نهاية ثورة ماوتسي تونغ الثقافية الى عملاق اقتصادي وسياسي هو بالتأكيد ماض في ترسيخ جديته في كل شيء وعلى كل الأصعدة. المفارقة اللافتة في الوضع الصيني أن الآيديولوجيا الشمولية التي يمثلها وجود الحزب الشيوعي حتى اليوم لم تكن عائقا أمام كل أشكال التطور الذي أحرزته الصين. وفي العودة الى هيكل فإنه وفي معرض لقائه مع شوان لاي يقول إنه سأله عن العداء بين موسكو وبكين آنذاك مع إنهما حزبا شيوعيا 
واحدا. 
كانت إجابة شو أن لاي لافتة جدا آنذاك مقارنة بما يحصل اليوم. يقول ان شوان لاي قال لي أن رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي يومذاك الكسي كوسيجين سألني عن طبيعة الخصومة بيننا، فقلت له ـ والكلام لهيكل نقلا عن رئيس وزراء الصين أن العداوة بينا عمرها عشرة الاف سنة. هناك لم يستسلم كوسيجين  فسأل شوان لاي.. لو حاولنا بكل جهد وقوة تجسير هذه الفجوة فالى أي حد نستطيع تقليصها. يقول قلت له الف عام، وهذا يعني يبقى الفارق بيننا تسعة الاف سنة. لكن الوقائع التي جرت فيما بعد وربما بأقل من عشرين سنة قلصت الفارق الاف السنين دفعة واحدة. كانت ساحة تيامنين أواخر الثمانينيات من القرن الماضي بمثابة إيذان بعصر جديد دخلته 
الصين. 
الأهم أن هذا البلد انتقل من الصراع الأيديولوجي الديماغوجي الى التنافس الاقتصادي الخلاق إن كان مع موسكو التي طلقت الحزب الشيوعي مع انهيار الاتحاد السوفيتي أو مع واشنطن. العلامة الفارقة للصين اليوم “هواوي” لا مجلدات ماوتسي تونغ الحمراء. في هذا الجو يذهب عادل عبد المهدي مع وفد كبير الى بلد طريق الحرير لا سور الصين. الصين أنهت نظام الأسوار واقتحمت نظام الأسواق. شيوعية بالداخل ومنافسة رأسمالية في الخارج. أكاد أجزم أن  الصينيين ما زالوا يجمعون ريش الدجاج مع إنهم أقوى ثاني اقتصاد في العالم بينما نحن نهدر كل أنواع الرز واللحم والفواكه والخضر لأننا نريد أن نقول فقط لضيفنا.. يا ضيفنا لو زرتنا.