وباء الانتحار الجماعي.. رهبة الانتقام أم تأنيب الضمير

السبت 28 أيلول 2019 113

وباء الانتحار الجماعي.. رهبة الانتقام أم تأنيب الضمير
جو شوت
ترجمة وإعداد: ليندا أدور
مع حلول ظهيرة دافئة، اندفع سكان "دمين" صوب الأنهار الثلاثة التي تمر ببلدتهم الواقعة شمالي شرق ألمانيا. ووسط مكان شاعري على ضفة نهر "بيين"، في بلدة عادية، تبرز اليوم شواهد على ما يوصف بأنه الانتحار الجماعي الأكبر الذي شهده تأريخ ألمانيا.  فخلال فترة ما بين 30 نيسان وحتى الثالث من آيار سنة 1945، أقدمت المئات من الاسر، شبابا وشيوخا، أغنياء وفقراء على إغراق أنفسهم في مجاري المياه الضحلة للنهر، كانت تلك هي الطريقة التي اختاروها لانهاء حياتهم، فحملوا حقائب على ظهورهم ملؤوها بالحجارة الثقيلة وربطوا أطفالهم معهم.
سقوط الرايخ الثالث
تكرر مشهد الرعب هذا على مستوى عموم المدينة، ففي بركة البجع القريبة، أقدم الآباء على إغراق أطفالهم في مياه تصل الى حد الخصر. وووسط الغابات المحيطة كانت أسر كاملة قد علقت أنفسها من اغصان أشجار الزان والبلوط القديمة. هنا، كانت بؤرة الوباء الذي أصاب البلاد بأكملها، فمع سقوط "الرايخ الثالث" سجلت عشرات الآلاف من حالات الانتحار، ففي دمين وحدها، ما يقرب من ألف شخص، من أصل 15 الفا، أقدموا على الانتحار، وإن كان العدد قد ازداد بسبب عدة آلاف من اللاجئين.
 تم توثيق حالات الانتحار التي طالت رؤوس النظام النازي, فخلال نهار اليوم الأخير من نيسان 1945، تناول أدولف هتلر حبة سيانيد، ثم أطلق النار على نفسه وزوجته، إيفا براون، داخل مخبأه، عندما كانت القوات السوفييتية تجتاح بلدة دمين. بعد ذلك الحدث بيوم واحد، أقدمت ماغدا غوبلز، زوجة وزير الدعاية النازية، على تسميم أطفالها الستة قبل ان تقدم، هي وزوجها، على الانتحار. 
أما هاينريش هيملر، (أقوى رجال هتلر وأكثرهم شراسة، وكان قائد فرقة القوات الخاصة الألمانية والبوليس السري المعروف باسم غستابو- المترجمة)  فقد تناول سم السيانيديوم 23 آيار، بعد أن اعتقلته القوات البريطانية.
وبعد تلك الاحداث بسنة تقريبا، خدع هيرمان غورينغ، المشنقة خلال محاكمات نورمبيرغ بعد تناوله سما كان قد هربه.له أحدهم. ومن أصل554  جنرالا في الجيش الالماني، انتحر53  منهم، مفضلين الموت على مواجهة العدالة.
 
قمة الهرم النازي
ان ما دفع الكثير من الرجال والنساء العاديين ليحذوا حذو كبار القادة النازيين كان موضوع كتاب صدر مؤخرا، هو الأفضل مبيعا في المانيا، للمؤرخ والوثائقي الالماني فلوريان هوبر، حمل عنوان "عدني بأنك ستطلق النار على نفسك"، والذي ركز بشكل خاص على "دمين"، إذ كشف البحث الذي قام به عن أعداد مذهلة من الوفيات: "لم يكونوا أبطالا أو أشرارا، بل أناس عاديون" بحسب هوبر، 51 عاما، مضيفا: "ببساطة، لم أرغب بأن يصبحوا في طي النسيان من دون أن نسأل.. لماذا؟".
في آيار من العام 1945، تركت فتاة مراهقة برفقة والدتها لتتوليان مهمة شاقة هي إحصاء الموتى الذين ضمتهم مقبرة البلدة. استعاد هوبر بعضا مما دونته الفتاة، مارجا بينكي، على ورق عادة ما كان يستخدم كنماذج لطلبات الزهور. 
وسجلت هذه الفتاة 612 شخصا كانوا ضحايا انتحار دفنوا ضمن قبر جماعي، ودفن كثير آخرون في قبور خاصة وعلى أماكن أخرى. ومن بين الضحايا، كان هناك طفل عمره ستة أشهر، خنق على يد جده، فيما سجل مئات آخرون على إنهم مجهولون، ثلثهم كان من الأطفال والرضع. وبهدف المحافظة على ذكرياتهم، دونت مارجا أي أمر يمكن أن يقود الى تحديد هويتهم؛ كأن تكون الأحرف الأولى على منديل، او بلوزة حمراء أو.. أصبع سبابة مفقود!.
 
رعب بالانتظار
كانت باربل شراينر تبلغ السادسة عندما سقط النازي سنة 1945، حيث انتهى بها المطاف الى بلدة دمين مع والدتها وشقيقها بعد ان تم إخلاء مدينتهم شتشيتسين (تقع الآن ضمن بولندا). فكتبت تقول: "يرغب الكثيرون بنسيان كل شيء"، وتستذكر اليوم الذي غزا فيه الروس مدينة دمين، حين اختبأت مع عائلتها داخل قبو، ثم هربوا صباح اليوم التالي: "في الشارع، كان جحيما لا يوصف، شاهدنا الجثث في كل مكان، وقد تلون النهر بلون الدم، رأينا أشخاصا يتدلون من الأشجار، لا أعرف كيف خرجنا من المدينة حينها". وما أثار الاستغراب أن دمين لم تتعرض للقصف على الاطلاق، لكن الروس وبعد اقتحامهم لها، خلفوا دمارا هائلا، مشرعين انتقامهم هذا للقتال الوحشي الذي دار على الجبهة الشرقية من خلال عمليات اغتصاب جماعي للنساء، يقدر عددهن بمليوني امرأة، فضلا عن القتل والنهب.
يشير هوبر الى أن تلك الوحشية كانت نتاجا لإثني عشر عاما من الدعاية النازية، التي لطالما حذرت السكان من أن رعبا بانتظارهم على يد الروس، فقد "تعلموا أن ينظروا إليهم كوحوش، وكان للخوف من الانتقام دور بحصول الانتحار الجماعي، لكن هوبر يرى ان إلقاء اللوم على أهوال الاحتلال المؤقت وحده؛ كسبب لحالات الانتحار؛ يعد تجاهلا للاحساس المتنامي بالتواطؤ والذنب الذي بدأ ينتشر بين صفوف الكثير من الرجال والنساء لكونهم جزءا من النظام النازي. من بين حالات الانتحار التي سجلت خلال تلك الأيام التي سبقت وصول الروس، كانت زوجة قائد الشرطة، التي شنقت نفسها مع ابنتيها، ومدير صندوق التأمين الصحي، الذي عثر عليه مشنوقا الى جانب زوجته وابنته واثنين من أحفاده بعمر ثماني وتسع سنوات. ومع تقدم الروس داخل دمين، أقدم جورج مولدنهاور؛ معلم في مدرسة محلية، على قتل زوجته وأطفاله الثلاثة، وعند محاولته
اطلاق النار على الروس قُتل في الحال.
 
وباء
كم عدد الألمان العاديين الذين يعرفون "الرعب الحقيقي" لأرض الآباء والأجداد"؟ يستشهد هوبر بمذكرات سيدة كانت تدير متجرا لبيع الفراء والميداليات، كتبت فيها أنها تستذكر اليوم الذي تم إبعاد مساعدها اليهودي عن البلدة، مشيرا الى ان ذلك بحد ذاته يعد جريمة. يرى هوبر أن نوعا من العدوى أصاب المجتمع: "كان كالوباء، ففي الأيام الأخيرة، اختفى الانتحار- الذي تحرمه جميع الثقافات- وبدأ الناس المتمرون بالتساؤل والتفكير، كيف يمكن أن يقدموا على فعل ذلك."  منذ ان أصدر كتابه، تلقى هوبر العديد من الإتصالات من أشخاص أقدم أقاربهم على قتل أنفسهم مع انتهاء الحرب، كثير منهم لم يسبق لهم الحديث عن الأمر من قبل. أثناء إحدى زياراته الى دمين، دنت منه امرأة عجوز، لتريه آثار الندوب عندما حاولت والدتها قطع شرايين معصمها بشيفرة حلاقة بعد ايام من سقوط النازي سنة 1945: "اخبرتني عما حدث، ثم غادرت، بلا مشاعر ولا مضمون، تملؤها رغبة بعدم التعليق،.. فقط تجاوز الأمر وتركه"، والحديث لهوبر.
 
* صحيفة التلغراف البريطانية